TESTING ONLY

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا >> 2:53 PM >>
Inglorious Bastards



فيلم كونتين تارانتينو المعادي للنازية (او هكذا الشائع لحين مشاهدته) ينطلق للعروض الأميركية في الأسبوع المقبل وهو كان أحد أفلام مسابقة "كان" الأخير وخرج غير متوّج. الغريب أن قليلين جدّاً من النقاد الذين أمّوا المهرجان الفرنسي آنذاك كتبوا عنه!. الفيلم بوشر بعرضه في بعض أنحاء أوروبا قبل أسابيع قليلة، لكنه يُطرح بدءاً من التاسع عشر في أكثر من عاصمة رئيسية بينها باريس ولندن٠
في الصورة الممثلة دايان كروغر في لقطة من الفيلم٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ09/08/19-18ــــــــــ

المخرج الدجال؟

يلفت الصديق صلاح سرميني نظري الى موضوع بالغ الأهمية لم يتطرّق إليه أحد ممن قرأت لهم مقالات حول فيلم لارس فون ترايير "ضد المسيح" (وسأستخدم معنى محدداً بالعنوان الأصلي وليس المعنى الديني المحتمل وهو "المسيح المزيّف" او "المسيح الدجّال" الى أن أرى الفيلم). فصل مشاهد البداية الذي يدور حول الرجل وزوجته يمارسان الغرام بينما يتسلل الإبن من مخدعه متقدّماً من النافذة حيث سيقع ويموت بينما أمّه تمارس الحب هو ذاته (تقريباً) الذي في فيلم بيير باولو بازوليني "أوديبوس ركس« الذي أخرجه عن مسرحية سوفاكليس، (أحد ثلاثة كتّاب تراجيديين في يونان ما قبل المسيح وصلت أعمالهم إلينا) سنة 1967
هذا ليس اكتشافاً بقدر ما هو أمراً مهمّاً يُعين القراءة الحقيقية للفيلم، ذلك أن من قال عن نفسه "أنا أفضل مخرج في العالم"، من وجهة نظري للآن ومن قبل أن أرى الفيلم، كان يستعير من بازوليني مطلع فيلمه بالكامل. ولا يتوقّف الأمر على هذا الفصل من المشاهد بل يتعدّى ذلك لما يبدو استعارة أخرى اكتشفها الناقد سرميني في مشهد لاحق من فيلم آخر سأترك الكشف عنها اليه إذ منكب هو على كتابة مقالته السينمائية حول الفيلم٠

عاصفة سرميني

بعض القراء لا ريب يعلم أن الزميل سرميني وجد نفسه في عاصفة مؤخراً بسبب ما كتبه حول شخص انطلق يعلن عن رئاسته مهرجان القدس السينمائي من دون علم سواه فيما يبدو محاولة استئثارية لموقع ما على الخارطة السينمائية من قِبل ذلك الشخص. أفهم دوافع سرميني لأن ما يريده هو الإشارة الى مواقع خلل تتعرّض إليها الثقافة السينمائية العربية من خلال نشاطات لأشخاص لا علاقة لهم بالصلب السينمائي كما يجب أن يكون (إلمام، دراسة، خطوات علمية الخ...). البعض لا يرى أن هذا من واجبه، ويهاجمونه على رصده مثل هذه الممارسات. ومن يقرأ التعليقات التي وردت في المقالات الثلاث التي نشرها الزميل على موقع إيلاف يجد أنه استلم ردوداً تؤيده وأخرى تعارضه. تلك المؤيدة تمنحه الحق فيما يقوم به والأخرى تسعى الى تقزيم محاولاته ووصفه بأنه شرطي انترنت٠
لكن مع أن صلاح يستطيع، لو أراد، أن يحمل خفيفاً ويمضي في شأنه حتى لا يعترضه أحد (تقريباً) وأحياناً أتمنّى لو يفعل، الا أنه يفضل مواجهة ما يراه خطراً يهدد المهنة التي نمارسها جميعاً. لذلك فإن المشكلة ليست فيه بل في كيف يتم تحويل النقاش الى مسائل بعيدة عن جوهر الموضوع. متى نبدأ نقاشاً حضارياً يتعلّق بصلب الموضوع نفسه وليس بالشكليات؟ متى نقترب من الحقيقة ونعاينها لذاتها وليس لذات من كتب فيها؟ متى نرتفع عن الضغينة حين نؤيد او حين لا نؤيد ونمارس حقّ كل منّا المشروع في إبداء الرأي المحدد والواضح؟


عمر منجونة

الأخ عمر منجونة كتب قبل أيام على البريد الخاص يسأل عما حدث لعمر نعيم، المخرج اللبناني وإبن الفنانة نضال الأشقر، الذي قدّم قبل سنوات باكورة أفلامه ثم لم يقدّم شيئاً آخر. يقول الأخ عمر

منذ ثلاث أعوام تقريبا لفت نظرى إسم المخرج عمر نعيم مقرونا بفيلم
The Final Cut
بفكرته الجيّدة، ورغم وجود بعض العيوب في المعالجة الا أنني توقّعت بروز إسم هذا المخرج في السنوات القادمة، لكن حتى الآن لم أسمع أي جديد عنه. أتمنى لو كانت لديك بعض المعلومات٠
شيء آخر، أردت السؤال عن السينمائي الذي كنت ذكرته والذي سيقام في قطر إن كان حدث به شيء جديد٠

جواب | عمر نعيم كشف عن موهبة مثيرة للإهتمام سنة 200٤ بفيلمه الروائي الطويل الأول الذي ذكرته (مع روبين ويليامز في البطولة) لكنه اختفى فعلاً. وكنت توقّعت أنه ربما عاد الى التصوير السينمائي، وهي المهنة التي جاء منها، لكني بحثت ولم أجد له أي ذكر على أي فيلم. لكن ما وجدته أنه بعد هذا الفيلم الممكن تسميته بـ »النسخة الأخيرة«، أخرج فيلماً ممسرحاً عن الكوميديين العرب الذين لديهم عروض في نوادي كوميدية يلقون فيها نكاتاً تمزج الضحك من التقاليد التي يراها الأجانب غريبة بالضحك من الغربيين ومفاهيمهم المغلقة حول ما هو عربي والتنميط الذي يواجهه المسلمون والعرب. عنوان الفيلم كاملاً
Stand Up: Muslim- American Comics Come of Age
عمر لم يخرج الفيلم بمفرده بل شاركه فيه غلن بايكر٠

في ربيع هذا العام نزلت في الدوحة حاملاً بضع مشاريع كتبت عن بعضها ذات مرّة. أحدها فيلم وثائقي أقوم بإخراجه ونلت الموافقة المبدأية عليه، وثانيها مجلة سينمائية وثالثها مشروع أكبر من أن يُعلن عنه هنا. لكن نحن في العالم العربي محاطون بأمور لا علاقة بصاحب المشروع بها: هو لا يستطيع أن يتقدّم الآخرين صوب تحقيق مشروعه بل عليه أن يمشي بخطاهم وإيقاعهم، ولا يستطيع أن يغفل العطلة الصيفية التي يغادر بها القادرون البلاد الى جبال لبنان او شرم الشيخ او أنحاء لندن وباريس، فتتوقف الحياة الى حين عودتهم٠
لكن هذا كله محسوب وأفهمه وقريباً أعود إن شاء الله الى هناك حيث أواصل العمل بعدما وجدت الأفكار قبولاً إجمالياً. شكراً للسؤال٠


إلحاح

الحادثة التي كتبتها عن دخولي طرفاً في مفاوضات بين سلفستر ستالون ومهرجان القاهرة دفعت بالصديقين محمد حسنين مبارك من القاهرة عادل عبد الله من الإمارات لينضما الى عدد من القرّاء سبق له وأن دعاني الى الإكثار من الذكريات الخاصة والأحداث التي وقعت معي وها أنا أحاول٠ فما ذكرته في ذلك المقال عن ستالون (وبالمناسبة نعم: الخبر مؤكد. ستالون سوف يُمنح جائزة تقديرية عن مجمل أعماله في مهرجان فنيسيا) من أنه طلب من شوارتزنيغر أن يمثّلا فيلماً مشتركاً من قبل أن يترهّلا (الآن ترهّلا وانتهى الأمر) سمعت مثيلاً له من الممثلة السمراء بام غرير سنة 1997 حين أخرج كونتين تارانتينو فيلمه "جاكي براون" من بطولتها. قالت
المشروع بدأ منذ عامين حين اتصل بي وقال أنه يفكر بي لفيلم ولم يخبرني شيئاً عنه. بعد سنة اتصلت أنا به وقلت: ماذا تنتظر ... الى أن يكبر صدري أكثر؟ قال لي: أصبحت حاضراً ودخلنا التصوير بالفعل وكنت سعيدة بالعمل معه٠
بام غرير (ستين سنة الآن) كانت نجمة أفرو-أميركية فيما يعرف بالأفلام الإستهلاكية السوداء
Blackexploitation
في نهاية الستينات ومطلع السبعينات وطالما ضربت البيض والسود على حد سواء في أفلام عنف بوليسية أدت فيها البطولة. وهذه حفنة منها
Black Mama, White Mama, Coffy, Foxy Brown, etc...
كما ظهرت في بضعة أفلام أكثر كلفة من بينها
Above the Law, The Package, Escape from L.A., Mars Attacks
أجريت حديثاً طويلاً معها حينذاك، لكني لم أنشره للآن لأن أحداً لا يعرفها عندنا وأصعب ما يواجه المء في هذه الحالة هو أن لا يعرف القراء عمن يدور الحديث٠

أيضاً من الذين ألحّوا على العمل مع سينمائي معيّن: بيرت رينولدز الذي تواصل مع كلينت ايستوود واقترح عليه أكثر من مرّة الظهور في فيلم واحد ("قبل أن نكبر") كما قال رينولدز ذات مرّة. في النهاية اختارا فيلماً بعنوان
City Heat
بوليسي أخرجه لهما رتشارد بنجامين سنة 1984 وكان أسوأ ما قام كليهما بتمثيله بسبب مخرجه الذي كان ممثلاً رديئاً في الستينات فانقلب الى الإخراج في الثمانينات لكنه كان رديئاً في هذا الحقل أيضاً٠







هذا العدد
أفلام ضد| سلسلة جديدة عن الأفلام المناهضة للسائد | محمد رُضا
تحقيقات | هوڤيك حبشيان عن فيلم جان-لوك غودار الجديد "اشتراكية" و محمد رُضا عن أين موقع السينما العربية اليوم٠
نقد | نديم جرجورة عن "ابراهيم الأبيض" | جلال نعيم عن "احرق بعد القراءة" | صلاح سرميني عن "بغداد- باريس: سيرة شاعر| هوڤيك حبشيان عن "أعداء الشعب"٠

زوايا | المخرج يقول: "ايليا كازان" حين كتب روايته التي تحوّلت الى فيلم٠| سمير فريد يكتب عن فينسيا | توب تن جديد

آخر خمسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

A Perfect Getaway | David Twohy (2009) ***
تشويق ناجح مع التواءات في السيناريو تخلق مفاجآت وجرأة من المخرج ديفيد ووهي في استخدام فلاشباك يختلف عن المتوقّع٠

The Glass Wall | Maxwell Shane (1953) ***
دراما حول مهاجر أوروبي يتسلل الى نيويورك والبوليس في أعقابه. أول فيلم قام الإيطالي فيتوريو غاسمان بتمثيله في الولايات المتحدة، ومن إخراج جيد لسينمائي غير مُقدّر٠

G.I. Joe: The Rise of Cobra | Stephen Sommers (2009) *
أكشن وفانتازيا تبدو كما لو كانت مجموعة من الإعلانات الخاصّة بترويج منتجات شركة ألعاب، وهو يبدو ذلك لأنه بالفعل ترويج لمنتجات شركة ألعاب

In The Border States | D. W. Griffith (1910) ***
قبل »مولد أمّة« أخرج غريفيث هذا الفيلم الأسبق عن الحرب الأهلية من دون إنحياز لطرف محدد. فتاة صغيرة تنقذ جندياً جنوبياً من الشماليين ويرد لها الجميل بإنقاذ والدها من الجنوبيين٠

The Pervert's Guide to Cinema | Sophie Fiennes (2004) ***
الناقد السلاڤي سلاڤوي جيجَك يتحدّث في 150 دقيقة عن الأفلام ويحللها من وجهة نظر فرويدية في هذا الفيلم التسجيلي الذي أخرجته شقيقة الممثل راف فاينس٠


أفلام ضد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلق ستيفن سبيلبرغ بدأ من هذا الفيلم
Artificial Intelligence: A I

................................................................................................
بدءاً من هذا العدد سلسلة جديدة حول بعض تلك الأفلام
المميّزة التي واجهت ما هو سائد من الأفكار والمعطيات
والقناعات السياسية والإجتماعية. الفيلم الأول هو شريط
ستيفن سبيلبرغ الخيالي-العلمي »ذكاء إصطناعى«علــى
حلقتين٠


القول السائد أنه من حين قرر ستيفن سبيلبرغ القيام بإخراج فيلم الهولوكوست الشهير "لائحة شيندلر" الذي خرج للعلن سنة 1993 خطّ المخرج درباً جديداً آخر غير ذاك الذي عرفته سينماه السابقة. من هنا، يمضي القول، بات هناك سبيلبرغ المخرج الترفيهي وسبيلبرغ المخرج الجاد٠
لكن بصرف النظر عن أن هذا القول يبسّط المسألة بعض الشيء، الا أن الفيلم الجاد الأول لسبيلبرغ سبق فيلم الهولوكوست بثمانية سنوات وكان عنوانه
The Color Purple | اللون الأرجواني
الثاني كان »إمبراطورية الشمس« سنة 1987 أي بعد عامين من »اللون الأرجواني«. بذلك فإن »لائحة شيندلر« هو الفيلم الثالث في هذا "الدرب"٠
الناقد الكندي تيم كرايدر يقسّم أفلام سبيلبرغ الى "أفلام أطفال" و"أفلام راشدين". وفي هذا التقسيم قدر غير يسير من التبسيط. خذ مثلاً فيلمه
Artificial Intelligence: AI | ذكاء إصطناعي
الذي أنجزه سنة 2001؟ من ناحية فيلم من بطولة طفل وفيه فانتازيا طفولية وشخصية تبحث عن عالم جديد وتشتاق لتبني مغامرة بينوكيو، ومن ناحية أخري هو فيلم للراشدين من حيث ما استخلصه من قصّة قصيرة ذات عنوان رائع هو
Supertoys Last All Summer Long ألعاب متفوّقة تدوم طوال الصيف
ألعاب متفوّقة تدوم طوال الصيف
ومن أفكار عالجها الراحل ستانلي كوبريك على الورق كتابة ورسماً لنحو عشرين سنة قبل أن يقرر أنه لن يصنع هذا الفيلم٠
أفلام سبيلبرغ تنتمي جميعاً الى خط واحد ينحف قليلاً فيتبدّى على غرار مغامرات إنديانا جونز المختلفة وسلسلة »جوراسيك بارك« ويثخن قليلاً فيتبلور على غرار »ميونخ« و»إمبراطورية الشمس« و»أميستاد« . وهذا ليس للإنقاص من قيمتها بل لوضعها في إطار يبدو لي صحيحاً. سنجد في »ميونخ« مثلاً ذات الإهتمام بالروابط العائلية التي أبداها في سلسلة
Jaws
وفي »لقاءات قريبة من النوع الثالث«. والمسألة اليهودية التي تصبغ »لائحة شيندلر« لها أصداء مسبقة لها في »تابوت العهد« و(إذا ما قبلنا بواحد من رمزياته) فيلمه »مبارزة« الذي كان أوّل فيلم عرض سينمائياً له ولو خارج الولايات المتحدة علماً بأنه كان من إنتاج تلفزيوني٠


ما يمكن أن يكون أوّلاً بالفعل بالنسبة لـ "ذكاء إصطناعي" هو أنه أوّل فيلم أخذ سبيلبرغ فيه يطرح تساؤلات تعكس شكّه في المسلّمات التي تبنّتها أفلامه السابقة٠
الى هذا الفيلم عكست أفلامه آراءاً محدّدة تضعه على صف الراوي الذي لديه وجهة نظر فيما يتعلّق بالعائلة، بالطفولة، بالرؤية الفنية لمعالجة الحكاية وبالغاية (التجارية) لإنجاز الفيلم. سبيلبرغ كان يتطلّع الى العالم بعينين هضمتاه من زاوية خاصّة به وكان يعبّر عن قناعات فكرية وعاطفية. هو كان ضد السُلطة في عدد من أفلامه الأولى ["مبارزة"، "شوغرلاند أكسبرس" الخ...] وكان ضد الشخصية الرجولية المتخلّصة من طفولتها باكراً: شخصية الصيّاد كوينت (روبرت شو) في
Jaws
الشبيهة بشخصية الرجل الشوفيني المسلّح الذي يقضي على الدينوصور في "جيروسيك بارك" وضد شخصيّة المبارز بالسيف، ذلك الفارس العربي السعيد برجولته وجرأته الذي يطلق عليه إنديانا جونز رصاصة قاتلة عوض تحميل نفسه مشقّة مبارزته وذلك في فيلم "تابوت العهد المفقود"٠
إذ أقول ذلك، أعي بالطبع أن أبطاله رجالا غير مخنّثين مثلاً، بل هم أقوياء- لكنهم، في معظمهم- رجال اجتماعيون تركوا الحضارة تهذّبهم. إنهم ليسوا جون واين او كلينت ايستوود، بل جون غارفيلد وإليوت غولد. حتى إنديانا جونز فيه مساحات كاريكاتورية وطفولية تجعله أقرب الى الصفات التي كان سبيلبرغ يفضّلها ويعززها٠
فيلم "ذكاء إصطناعي" كان مختلفاً٠
أخيراً، بعد سبع سنوات من »لائحة شيندلر« سمح لنفسه بمراجعة العالم من زاوية قلقة استبدل فيها قناعاته السابقة بعلامات استفهام على الأقل، هذا من قبل أن يستبدلها بقناعات جديدة في »ميونخ« سامحاً لنفسه طرح موضوع الإرهاب كعمل مُدان من قِبل الطرفين معاً العربي والإسرائيلي- خطوة لم يسبقه إليها سوى قلّة من المخرجين من قبل بينهم جورج روي هيل في فيلمه المنسي (وعن أحداث إرهابية ولو خيالية) سنة 1984
Little Drummer Girl


قصّة برايان ألديس »ألعاب متفوّقة طوال الصيف« تحديداً عن صبي، أسمه ديفيد (هايلي جوول أوزمنت) يكتشف إنه ليس آدمياً بل مصنوع
Android يكتشف إنه ليس آدمياً بل مصنوع في المختبرات كـ
أي يبدو بشراً، لكنه بلا سوائل في الداخل، فقط أسلاك وأشرطة وبلاستيكيات وقدرة على التعامل مبرمجة بالكومبيوتر. حين يكتشف ذلك يفهم لماذا لم تكن والدته (او من أعتقد أنها والدته) تحبّه مهما فعل لإرضائها. فهي كانت توجّهت الى المصنع (والأحداث في المستقبل طبعاً) واختارته. الإمتحان العسير يبدأ حينما يخرج إبن العائلة من المستشفى الذي كان دخله قبل تبنّي الصبي ديفيد. الآن وقد أصبح هناك طفلان في البيت فإن العائلة لن تضيع وقتاً في فض خلافاتهما (غيرة ابنها الفعلي من ديفيد) بل تقرر أن تأخذ ديفيد الى الغابة القريبة وتتركه هناك. الأم (فرنسيس أو كونور) تفعل ذلك في مشهد عاصف يستعطفها ديفيد أن لا تتخلّى عنه لكنها تفعل٠

سبيلبرغ، في حياته الخاصّة، شديد التعلّق بمفهوم العائلة. لقد نشأ في ظل أم وأب وعانى من انفصالهما. في أفلام معيّنة يبدو بطله مشتاقاً الى أبيه (شخصية ليوناردو ديكابريو في "اقبض عليّ إن استطعت"- 2002) وفي أخرى يبدو بطله مشتاقاً الى أمّه ومتفانيا تجاهها (شخصية الصبي في »آي تي«- 1982) وفي أحيان ثالثة تجاههما معاً (كما شخصية الطفل كما لعبها كرستيان بايل صغيراً في فيلم "إمبراطورية الشمس«). لكن العائلة دائماً موجودة والأب هناك ليذود مدافعاً كما في "حرب العالمين« مع توم كروز (2005)٠
وليام هيرت في "ذكاء إصطناعي" هو عالِم صنع ديفيد على شاكلة إبنه الراحل وصنعه لكي يحب طول حياته وديفيد لن يعرف سوى ذلك. هذا جزء، من مشكلته طوال الفيلم. إنه البراءة التي لن تتغيّر. لن تستطيع أن تتغير. ديفيد تصاحبه دمية (على شكل دب صغير) يتبعه ويتحدّث إليه. صديقه الوحيد القادم من الزيف بدوره. لن تستطيع أن تتغيّر. بعد تركه في الغابة سيتعرّف على أندرويد آخر أسمه جو (جود لو) الذي صُنع لكي يمارس الحب مع النساء اللواتي لا يجدن عاطفة. ونتعرّف عن طريق جو الى إمرأتين كلاهما تعانيان فراغً وألماً٠
عند هذا الحد لدينا ما يلي: أندرويد صغير وآخر كبير. كلاهما مهدد بالفناء في عالم لا يزال تحت قبضة الإنسان. البشر في هذا العالم ليسوا ببراءة وحسنة الأندرويدز. العائلة التي تبنّت ديفيد تركته لخطر التصفية الميكانيكية (قد يُباع كخردة) والمرأتين مضطهدتين من الرجل في عالم بلا حب ما يجعلانهما في توق لطلبه من أندرويد. الى ذلك، هناك ميدان القتال الذي يؤمّه البشر لمشاهدة العنف والتلذذ بنتائجه وإعدام بعضهم بعضاً (مقدّم مثل المدرّجات الرومية في عصر ما بعد المسيح مباشرة)٠
وهنا يبدأ المخرج بالتعليق على العالم الذي نعيشه. ليس العالم الذي نتفرّج عليه في نشرات الأخبار او على الإنترنت فقط، بل العالم الذي تقدّمه هوليوود٠

يتبع٠


تحقيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السينما العربية اليوم: سينمات مختلفة بمشاكل مشتركة
محمد رُضا


أكثر من مطّلع يؤكد لك حالياً أن الحصاد السينمائي العربي من المغرب الى البحرين والكويت وعُمان ضحل هذا العام. الإستثناء الوحيد: السينما المصرية. فجأة نهضت من غفوة دامت طويلاً وإذا بعدد مفاجيء من الأفلام الجيّدة (وبعضها أفضل من بعض) بات متوفّراً للعروض المحلية او للإنطلاق صوب المهرجانات العربية منها وغير العربية٠

حصيلة العام الماضي
في مهرجان »فانيسيا« هذا العام فيلم أحمد ماهر »المسافر« الذي اختير لكي يُعرض في المسابقة الدولية. هو إسم جديد وهذه الحقيقة ستجعله محط رغبة العديد من النقاد الدوليين الذين يريدون التعرّف على موهبته ومن أي مستوى او شأن هي٠
هناك أيضاً فيلم كاملة أبو ذكرى الجديد »واحد صفر« وفيلم يسري نصر الله »احكي يا شهرزاد«٠
المهرجان نفسه يعرض فيلماً من تونس لرجا عماري بعنوان »أسرار مدفونة« وآخر للسينمائي الجزائري مرزاق علواش بإسم »حرّاقة«٠
لكن جديد السينما المصرية لا يتوقّف هنا: المخرج داوود عبد السيد أنجز »رسايل بحر« وأسامة فوزي أنتهى من تصوير »يوسف والأشباح« وكلا هذين الفيلمين سيتم عرضهما في مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي في الشهر الحادي عشر من العام الحالي٠
وكانت السينما الفلسطينية مثّلها هذا العام في مهرجان كان المخرج ايليا سليمان عبر فيلمه الروائي الثالث »الزمن الباقي«٠

في العام الماضي، بلغت حصيلة الأفلام الروائية الطويلة المنتجة في دول مجلس التعاون الخليجي، المؤلّف من السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان واليمن والعراق إحدى عشر فيلماً. هذا العام هناك فيلمين يدخلان مرحلة ما بعد التصوير واحد من الإمارات والآخر من العراق. ربما هناك أفلاماً أخرى، لكن الواضح أن الوضع الإقتصادي الذي تمر به المنطقة أثر على الإنتاجات السينمائية فوق ما هي قابعة تحت تأثير عدم وجود أجهزة ومؤسسات تساعدها على الوقوف على قدميها. السينما الخليجية، من هذا المنظور، هي أحلام في طور التحقق. سينما جديدة لا زالت طريّة العود وبحاجة الى فتح أسواقها المحلّية على نحو يدعمها ويساعدها، بالتالي، على التقدّم وآخر ما تريده، لجانب تمنّع المسؤولين في البلدان المنتجة، عن دعمها هو أن تطيح الأزمة الإقتصادية بإقدام العدد القليل من رجال الأعمال والمنتجين لتوفير التمويل المطلوب لها. لكن هذا ما يبدو واقعاً الآن

الدول القابعة في شمال أفريقيا أيضاً لم تستطع حتى الآن فتح أسواقها على بعضها البعض ما يجعل الفيلم الجزائري محصوراً في بلده، والتونسي في موقعه، والمغرب في وطنه. لو أن القائمين على سياسات التعاون بين هذه الدول ذات الكثافة السكّانية المناسبة أسسوا من نحو عشرين سنة وما قبل حتمية العروض المتبادلة والإنتاجات المشتركة (على نحو يشكّل قاعدة وليس استثناء) لما بقيت الأفلام المنتجة في هذا البلد ممنوعة، تجارياً، من العرض في البلد الآخر٠

اليوم والأمس
ونحن نجد أن هذه الأزمة بالذات مستفحلة في باقي الدول العربية من دون استثناء: لا إيمان بأن الفيلم القادم من دولة عربية وراء الحدود سينجح داخلها، ولا حتى في نطاق الثقافة الشعبية الواحدة: فالفيلم اللبناني قلّما يعرض في سوريا والفيلم السوري لا يرى شاشات العرض اللبنانية وهما شعبان لديهما من القواسم المشتركة أكثر بكثير مما لديهما من الإختلافات.
لكن هذا لم يكن الحال السائد في الستينات والسبعينات، إذ كانت الأفلام العربية سمة مشتركة ليس فقط بين لبنان وسوريا بل بينهما وبين مصر أيضاً. صحيح أن معظم الإنتاج المشترك لم يكن سوى تلك الأعمال الغارقة في حب الترفيه من دون فنّه على الأقل، لكن هذا النقد يصب في منحى آخر ولا يلغي المبدأ المتمثّل لا في ضرورة التعاون من باب التآخي مثلاً، بل من كون هذا التعاون هو شرط أساسي لتعزيز السوق الداخلي أولاً ثم العربي فيما بعد٠

بمفردها، السينما اللبنانية لا تستطيع أن تنتج على نحو مستمر ومتواصل من دون أن تحظى بموافقة الجمهور اللبناني (على الأقل) عليها. وفي العامين الماضيين بلغ هذا الإقبال المحلّي عليها مستوى جيّداً فإذا بعدد من الأفلام اللبنانية الجديدة تنطلق للعروض في زمن متقارب منها مثلاً »بدي شوف« لجوانا حاجي توما وخليل جريج و»سمعان بالضيعة« لإيلي هبر
على الرغم من ذلك، فإن هذه السينما أطلقت في السنوات الخمس الأخيرة عدداً كبيراً من الأفلام بالنسبة لباقي الدول العربية، باستثناء مصر، وفعلت ذلك في نوع من التحدّي للحدود والمشاكل الإنتاجية التي تواجهها. هذه الإنتاجات استندت (جميعها تقريباً) الى تمويل شركات فرنسية ومعونات من الإتحاد الأوروبي الذي يدعم مثل هذه المبادرات (او عدداً معيّناً منها على الأقل). على هذا الأساس فإن بعض الأفلام اللبنانية الروائية الطويلة تحديداً عرفت نجاحات تجارية ملحوظة مثل »سكر بنات« لنادين لبكي و»تحت القصف« لفيليب عرقتنجي اللذان عُرضا في أوروبا والولايات المتحدة- طبعاً في حدود الصالات المتخصصة بالأفلام غير السائدة٠



لكن المشكلة هي أن هذا الإعتماد على المموّل الأجنبي لا يستمر دائماً ولا يستمر على نحو شامل أيضاً. سريعاً ما سيبدأ الفرز بين الفيلم/ المخرج الذي حقق أفضل نجاح وذلك الذي لم ير فيلمه أحد وبناءاً على هذا الفرز سيختفي البعض وسيبقى البعض الآخر مستمرّاً في الوقت الذي تحتاج فيه السينما اللبنانية الى خبرة وتعاون الجميع لكي تواصل انتعاشها٠

أسباب التراجع
وكما كانت السينما اللبنانية منتعشة أكثر في الستينات والسبعينات قبل أن تدهمها الحرب الأهلية البغيضة فإن السينمات المغاربية أيضاً كانت أكثر انتعاشاً وإنتاجاً ونجاحاً (تجارياً) مما هي عليه اليوم. روّاد مهرجان قرطاج التونسي كانوا شاهدوا حماس الجمهور التونسي لمشاهدة الأفلام العربية بأسرها والتونسية تحديداً. وهذا كان يمتد خارج نطاق العروض الجماهيرية. أفلام الناصر قطاري ورضا الباهي ونوري بوزيد ورشيد فرشيو وسواهم كانت تشهد عروضاً ناجحة ومستديمة. اليوم، يقول لنا المخرجون التونسيون أنفسهم، الناس ما عادت تقبل على أفلامهم كما كانت تفعل سابقاً
والحال نفسه، ببعض التفاوت، منتشر في معظم الدول العربية المنتجة لكن ما يكشفه هذا هو أن ظروفاً أفضل وعلى أكثر من وجه وجانب كانت متوفّرة في تلك الفترة ولم تعد متوفّرة اليوم. أكسجين من الثقافة وفضول المعرفة وحب السينما كان منتشراً بين الجيل الشاب آنذاك ولم يعد منتشراً بين الجيل الشاب اليوم الذي لديه مشاغل مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها جمهور الأمس حين كانت السينما الإختيار الأول للترفيه وللثقافة على حد سواء٠

بعض المشاكل الحالية تكمن في انتشار الفضائيات وتبديلها مصادر الترفيه واولويات المعرفة. وبعضها ناتج، كما تقدّم، اختيار المسؤولين ترك السينما وشأنها لا يهم كيف تعيش إذا عاشت ولا كيف تموت اذا ماتت
على ذلك فإن الحلول ليست صعبة وتكمن أساساً في إنشاء أسواق أقليمية تستدعي إنتاجات إقليمية. فالعالم العربي عبارة عن أقاليم ومناطق، لذلك يستطيع المغاربة القيام بإنتاجات مشتركة فيما بينهم، إذا أرادوا، ويستطيع المموّلون اللبنانيون والأردنيون والسوريون العمل معاً، كما يستطيع سينمائيو منطقة الخليج الإتحاد فيما بينهم. من دون هذه الإتحادات لا يمكن للسينمات العربية أن توظّف النسبة السكانية الكبيرة لصالحها وهي نسبة تستوعب الإنتاجات ذات الميزانيات المحددة والمتوسّطة
أما السينما المصرية فهي كانت وستبقى أكثر سينمات العالم العربي شيوعاً. كل ما في الأمر أن عليها اليوم الإستفادة من فرص نجاحها الجماهيري والنقدي لبعض أفلامها لكي تستعيد ما خسرته من حجم إقبال عربي في الآونة الأخيرة٠


عن آخر فيلم لغودار الذي مات مناضلاً وولد فناناً
اشتراكية تنير عتمة التاريخ من أوديسّا الى فلسطين؟

هوفيك حبشيان


بالنسبة الى غودار، العالم مظلم لكنه تحول نوراً في غرفة معتمة٠
، رافق جان لوك غودار جيل "ثورة 68 فأغضبهم واسرهم بقدر ما يستطيع امرؤ فانٍ ان يفعل ذلك. سلط هذا السينمائي آلة تصويره كما يسلط الرجل سلاحه او قلمه: مقاتل في سبيل الحقيقة في عالم من العنف طالت فيه الحرب بين الصورة والمشهد. لقد غطى السكون الحوار على مر السنين، ولم يبقَ هو الا سيداً قديماً، متنبهاً لهذا العصر الذي يبتعد مع مرور الوقت، فما عاد يشغل باله الا الحرب والسلم. برعت أفلامه الأخيرة في ابراز مشكلة الحرب والسلم من دون ان يشوه أي حلّ. فعندما يموت مناضل، يولد فنان. لقد بلغ غودار ذروة فنه، اذ جعل المشاهد يرى ما ظن الانسان انه رآه. من جمال عبقريته يشع النور. بالنسبة الى غودار، العالم مظلم لكنه تحول نوراً في غرفة معتمة. قليلة هي الأفلام تملك هذه النعمة. لقد احتفل غودار بفنه، فكان جازماً انه الوحيد سينير عتمة التاريخ. نتيجة ذلك، يخرج المشاهد من "عند" غودار مفتوناً ومتصالحاً مع حضارة البشر. واذ بالعبث يبتعد للحظة.
بعد تأمل طويل، خلاّقاً ناسكاً في عالمه الانطوائي، يعود غودار قريباً مع "اشتراكية"، خارجاً من صمت دام خمس سنوات. لا ملخّص على النت عن هذا الشريط ولا معلومة عن تاريخ صدوره. من الأشياء القليلة التي نعلمها، مشاركة الفيلسوف آلان باديو في دور المحاضر. والحقّ أننا كنا ننتظر أن يشارك الفيلم في الدورة الفائتة من كانّ، لكن المخرج الذي صار على عتبة الثمانين لم ينهه في التاريخ الملائم. جلّ ما نعرفه عن الفيلم اليوم انه صوّر في بلدان أوروبية عدة، وربما فصل كبير منه في اليونان. أما الـ"تيزر" نوع من دعاية لاثارة حماسة المشاهد)، فهو غوداري "قح" في دقائقه ( الاربع، ويجعلنا نتوقع فيلماً عضوياً على طريقة "موسيقانا"٠
يفتتح الـ"تيزر" بامرأة تتمتم كلمات عن أوروبا، قبل أن تُكتب على الشاشة كلمة "أشياء". الى الآن الأجواء من باخ بامتياز. منذ اللقطة الثانية يلجأ غودار الى ابتكار تقني اصبح مع الزمن ماركته المسجلة وهو الـ"جامب كات" (القفزة المونتاجية)، لنرى صبياً يلمس عقداً من الذهب تلبسه فتاة حول عنقها، فتردّ عليه بلغة لا ادري ما هي، واذ بالفتى يرد عليها بالفرنسية: الصمت من ذهب. وعلى خلفية صوت فتاة تغني "دو ري مي"، نرى رجلاً كهلاً يأكل جالساً الى بار. ثم كلمة "أوغاد" على الشاشة تسبق منظراً ليلياً رائعاً وزمور باخرة. صوت أمواج فرجل يحمل كاميرا في يده ونذهب فجأة الى تمثال فرعوني قبل أن يأتي دور صورة مائلة الى البني والبرتقالي طُبعت عليها كلمة "مصر"، مما يمنح الانطباع بأن الفيلم سيكون في مزاج "موسيقانا" أو "في مديح الحب" اللذين تضمنا عدداً من الصور الأرشيفية. جملة من هنا واخرى من هناك ثم نصل الى عجوز يقول لفتاة "الاسلام هو غرب الشرق"، عابثاً على ما أعتقد برأي الشاعر روديارد كيبلينغ الذي قال ان "الغرب غرب والشرق شرق"، اي انهما عالمان لا يلتقيان أبداً. وهذه المقولة لا شك انها واحدة من مقولات كثيرة سترد على لسان الشخصيات في الفيلم، نظراً الى هوس غودار بهذا الشيء؛ فللعبارات الشهيرة، إن مشوهة او مقتبسة بحرفيتها، عبور اجباري في أفلام أحد أهم منظّري الصورة في العصر الحديث


يبدو أن لفلسطين المحتلة مرة أخرى حضورا لافتا في سينما المعلم. إذ نرى صوراً فوتوغرافية لجندي فلسطيني ينام وآخر اسرائيليي يدير عملية نقل أسرى فلسطينيين. "قبل أن أرى أوروبا سعيدة... قبل أن أرى كلمة روسيا وكلمة سعادة" هي المفاتيح الكلامية الغامضة التي تصدر من فتاة، ثم يحيلنا المونتاج الغوداري الحاد على أدراج أوديسا (روسيا) الأشهر من أن تعرّف، كونها خلّدتها كاميرا العظيم سيرغي أيزنشتاين في »البارجة بوتمكين (1925) وقد استعادها في القلب تشويقي ذكي مبدع، الأميركي برايان دو بالما. ترى ماذا يقول غودار عن هذه السلالم؟
موسيقى أخرى وأجواء أخرى ثم نقلة نوعية مع تداخل معزوفتين واختراق للروك لا يدوم الا ثواني قليلة، فعودة تدريجية الى الصفاء، والى ما يبدو انه مدرج روماني، ثم الى الباخرة ذات الجمال الملحمي، وعليها فتاة تركض. ثم يختلط الروائي والارشيفي، الحرب والسلم، الصورة النقية والرديئة، على وقع موسيقى الأرغن الربانية الملهمة. موزاييك من الصور تنهش شاشة الكومبيوتر، ثم يأتي رجل ليقول انه أمام خيارين، إما ان يعيش وإما أن يروي، فتبادر .فتاة تجلس الى جنبه الى القول: أنا سأروي 1789
ومعلوم أن هذا التاريخ هو تاريخ الثورة الفرنسية. وتتوالى المشاهد ويتصارع المشهد مع المشهد، بأقل قدر من التناغم، مع اطلالات هذه المرة لثور هائج في مدينة برشلونة. وسرعان ما يتحول المناخ مع سيارة نراها تمر أمام فتاة تنتظر شيئاً ما في محطة للوقود، ليفتح هذا المشهد فصلاً كاملاً عن الحيوانات! ثم نرى صبياً يقود ما يشبه الاوركسترا بعصا، ليحيلنا عقل غودار اللاذع على امرأة واقفة أمام جدار ينعكس عليه ظل مروحة. أما الصوت فيقول: "عشر دقائق، سأحلّ هذا". ويختتم مجموع المقاطع المحيرة بصوت اوبرالي هائل على خلفية بصرية لفتاة تحمل كاميرا وتصور مرتجلة تقنية الترافلينغ، وهي تقنية قال عنها رائد "الموجة الجديدة" إنها مسألة أخلاقية

هوفيك حبشيان: ناقد صحيفة "النهار" اللبنانية٠


نقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أربعة أفلام مدرجة هذا الأسبوع لهذا العدد: إبراهيم الأبيض" لمروان حامد، "أحرق بعد القراءة" لجووَل وإيتان كووَن، "صلاح الحمداني" لإيمانويل لانغراج و"عدو الشعب" لمايكل مان


إبراهيم الأبيض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


إنه الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج الشاب، الذي أبدع في فيلمه القصير لي لي ، والذي أعلن عن موهبة جدّية وحرفية خطت خطواتها الأولى بثبات خفر ومحبَّب في فيلمه الروائي الأول «عمارة يعقوبيان»٠

أثار مروان حامد، عند إنجازه «عمارة يعقوبيان» في العام 2006، سؤال الولادة الإخراجية الحقيقية لابن السيناريست والمنتج وحيد حامد، وللمتعاون مع «شركة غوود نيوز» التي وضعت ميزانيات هائلة لإنتاج أفلام لم تكن كلّها ذات مستوى فني راق، خصوصاً «حليم» لشريف عرفه (آخر أفلام الممثل الراحل أحمد زكي) و«ليلة البيبي دول» لعادل أديب، وهو الأسوأ بينها. بمعنى آخر، وُلد مروان حامد كمخرج أفلام روائية طويلة في ظلّ سلطتين لا يُستهان بهما: سلطة الأب المحتلّ مكانة كبيرة في المشهد السينمائي المصري، ككاتب قدّم أعمالاً سجالية عديدة ورائعة، قبل أن يجمع الكتابة إلى الإنتاج، ما أدّى به إلى مسايرة ما لذائقة جماهيرية أوسع، أفضت إلى هبوط واضح في أفلام عدّة له؛ وسلطة شركة أقرب إلى الامبراطورية الإعلامية التي احتلّ واجهتها الأخوة أديب، أبناء السيناريست الراحل عبد الحي أديب، الموزّعون في مجالات الإعلام المرئي والإخراج والـ «بيزنس» السياسي والتجاري، من خلال فنون الموسيقى والغناء والإنتاج السينمائي٠

يد إخراجية
لكنه برع في إظهار شيء ذاتي في كيفية تحويله رواية علاء الأسواني إلى شريط مصوَّر. لم يخرج كثيراً على الوقائع المنشورة في الرواية، بحجّة قالها كاتب السيناريو الخاص بالفيلم وحيد حامد نفسه، مفادها أن المقتَبِس لا يستطيع تجاوز نصّ الرواية. ومروان، المبدع في تحقيق «لي لي» شكلاً ومضموناً وإدارة ممثلين واستخدام الكاميرا والزوايا، أدرك أن الإطلالة الجماهيرية الأولى له مع ممثلين «كبار» (عادل إمام ونور الشريف ويسرا وإسعاد يونس ممثلي «الصفّ الأول» بحسب التعبير السينمائي المصري، وخالد الصاوي وخالد صالح وسمية الخشاب وهند صبري وأحمد راتب وأحمد بدير وغيرهم) لن تكون سهلة، لأن إدارة هذا العدد الهائل من النجوم المتنوّعين، في فيلم أول بُنِيَ على أساس المتتاليات القصصية المرتبطة بفصول متلاحقة وحكايات متداخلة وسرد متقاطع والسياسة والمجتمع والعلاقات الإنسانية والعاطفية والأصولية وغيرها من المواضيع الساخنة والتحوّلات الخطرة، تطلّبت (إدارة الممثلين) حنكة وخبرة كبيرتين، إلى درجة أن البعض لم يتردّد عن القول إن هناك «يداً» خفية ساهمت في إنجاح العمل إخراجياً٠

السُلطة الإنتاجية
غير أن هذه اليد، إن وُجدت في الفيلم الأول، بدت كأنها يد المخرج الشاب نفسه في الفيلم الثاني «إبراهيم الأبيض»، لأن الدراية التقنية والفنية والجمالية أثمرت فيلماً جديداً متين البنية السردية وواضح الرؤية السياسية والاجتماعية المغلّفة بنمط بصري شبه متكامل، على الرغم من المشكلة الأبدية» التي تعانيها صناعة السينما المصرية منذ «الأزل»: التسجيل الرديء للصوت، وإكثار الصراخ النسائي تحديداً، إلى درجة لا تُحتمل « أحياناً في فيلم سينمائي، وإن استُمدّ الصراخ من عمق البيئة الاجتماعية المصرية الصرفة، والسلوك اليومي لناسها. واليد المذكورة أخرجت فيلماً جميلاً، عن عالم بائس وعنيف وموغل في تمزّقاته وانهياراته وجنونه. وهي اليد المتعاونة، مجدّداً، مع الشركة الإنتاجية نفسها (غوود نيوز)، من دون أي تدخّل من صاحب السلطة الأولى، عنيتُ به والده وحيد حامد (قصّة وسيناريو «إبراهيم الأبيض» لعباس أبو الحسن)؛ علماً بأن نجوماً من نوع آخر احتلوا واجهة الفيلم، أبرزهم محمود عبد العزيز (وحده، من بين الممثلين الآخرين، ينتمي إلى الرعيل السابق وممثلي «الصفّ الأول»)، إلى جانب أحمد السقا (أكثر ممثلي جيله الشباب تطوّراً أدائياً، لأنه أتقن تقديم شخصيات ممزّقة بين جانب إنساني صرف وعالم موبوء بالفساد والعفن والجريمة) وهند صبري وعمرو واكد وسوسن بدر٠

في «إبراهيم الأبيض» (قصّته مستوحاة من يوميات شخص حقيقي يُدعى إبراهيم الأبيض، تردّد في القاهرة أن عائلته استاءت من الفيلم وأثارت جدلاً مع منتجيه حول مسائل متفرّقة)، بدا واضحاً أن تبديلاً جدّياً طرأ على علاقة مروان حامد بهاتين السلطتين، وبعدد الممثلين وآلية اشتغالاتهم الفنية والأدائية، وبالمناخ الدرامي النابع من قاع المدينة وبؤس مجتمعها الإنساني، وبالسياق التشويقي المتماسك، إلى حدّ بعيد، في سرده حكاية إبراهيم الأبيض (السقا) منذ طفولته البائسة إلى نهايته المحتومة، المعمّدة بالدم والدمع معاً. فالسلطة الأبوية انزاحت، إلى حدّ ما (إنها غير مرئية تماماً، على الأقلّ)؛ والسلطة الإنتاجية نفسها حاضرة، لأنها قادرة على منح المخرج الشاب ميزانية كبيرة (ذكرت معلومات صحافية مصرية أنها بلغت اثنين وعشرين مليون جنيه مصري، في حين بلغت ميزانية «عمارة يعقوبيان»، بحسب المعلومات نفسها، ثمانية عشر مليون جنيه مصري) تخوّله التحكّم بمشروعه هذا. أما الممثلون، فمحصور عددهم بقلّة أمسكت بمفاتيح الحبكة الدرامية على مستويين: المستوى الأول أساسي (عبد العزيز والسقا أولاً، وواكد وصبري ثانياً، كداعِمَين رئيسين للأوَّلَين)، والمستوى الثاني مُكمِّل (شخصيات عابرة شكّلت منطلقات المتاهة الدموية التي سقط إبراهيم الأبيض فيها، وشخصيات ضرورية رافقته في سيرته، وأكملت معه وله وعبره صورة بيئة المجرمين وعالمهم ومجتمعهم)٠

قاع المدينة
لا يُعيب العنف الدموي الكثير فيلماً أُريد له أن يكون مرآة صادقة لواقع إنساني مأزوم. فالأنماط الراهنة للحياة اليومية منشغلة بشتّى أنواع العنف، في اللفظ والسلوك والنقاشات والعلاقات والحبّ والعمل... إلخ، والمسار المتحكّم بعلاقات الفرد بذاته وبالآخرين خاضعٌ للغليان والارتباك والتوترات المنبثقة من وقوع المجتمع المعاصر وناسه في فوضى الأنظمة (السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإعلامية وغيرها) وقمعها. بهذا المعنى، يُمكن فهم انجراف مخرجين سينمائيين مصريين عديدين إلى التقاط العنف بجوانبه المختلفة، لتقديمه في أفلام ملتصقة بيوميات الناس وأزماتهم المتنوّعة، ومنبثقة من حيواتهم وهواجسهم وذواتهم المقيمة في الوجع والقهر، سواء كان العنف مباشراً في التصرّف والتربية والحياة اليومية («السفّاح» لسعد هنداوي المستمرّ عرضه اللبناني في صالة «غراند سينما كونكورد»)، أو غير مباشر، تمّ التعبير عنه بمواربة سينمائية تكشف حضوره في هذه الحياة اليومية من دون تصوير شكله الحسّي («احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله، المزمع إطلاق عروضه اللبنانية قريباً). وعلى الرغم من أن جديد مروان حامد أحال مصير إبراهيم الأبيض إلى طفولة معذّبة وفقيرة وبائسة ويتيمة الأبوين، تماماً كما فعل سعد هنداوي في «السفّاح»، المستلّة قصّته من واقعة حقيقية أيضاً، متمثّلة بالسفّاح حلمي أحمد المسيري، كما قال مطّلعون على خفايا المشروع، مع أن منتجيه (ميلودي للأفلام) تجنّبوا الإيحاء بأن الفيلم توثيق للسيرة الحياتية للشخصية الحقيقية؛ إلاّ أن المشاعر الإنسانية الصادقة إزاء الأم المتوفاة حنان ترك) والحبيبة المسلوبة منه بالإكراه والغصب (هند صبري) والصديق الذي غرق معه في بحر الدم والجريمة والتيهان وتعاطي شتّى أنواع ( المخدرات الرخيصة، قبل خيانته له (عمرو واكد)، أشاعت مناخاً شفّافاً وسط القتل والصراعات الحادّة والعجز عن الخروج من الموت المقيم في الأزقة والنفوس. ومع أن الفيلم تحاشى التحليل النفسي والاجتماعي المباشر، لأنه ركّز بنيته الدرامية على سرد فصول من الحياة القصيرة لإبراهيم الأبيض، إلاّ أن التشريح النفسي/ الاجتماعي، المُضاف إلى نقد قاس ومبطّن للتحوّلات الخطرة التي تعانيها البيئة المجتمعية المصرية في ظلّ سطوة الاقتصاد الليبرالي والانفتاح غير المشروط وتنامي سلطة التجّار وهيمنتهم على الناس العاديين (هناك مشاهد قليلة ظهر فيها زعيم المحلّة الزرزور الكبير، الذي أدّاه محمود عبد العزيز، واقفاً على تلّة عالية وسط القبور والمنازل الفقيرة في ما يُشبه العشوائيات، كإله يأمر وينهي فيُطاع فوراً)، شكّل (التشريح) جانباً موازياً لتلك الحكاية المعروفة، المستمرة في نبش أعماق الذات الفردية وصداماتها مع الجماعة، و«انحراف» هذه الذات عن الطريق القويمة بحسب المعتقدات الاجتماعية والدينية والتربوية التقليدية. فهذا عالم يكاد يخلو من سلطة الأمن (وإن ظهر رجال المن في مشاهد قليلة جداً)، ومن سلطة القانون (المحكمة في لقطات سريعة)، لأنه خاضع بالكامل لسلطة أخرى هي سلطة (الزرزور)، استمدّت جبروتها من الديني والدنيوي، وإن لم ينكشف الأول كثيراً


بعيداً عن هذا كلّه، يُمكن القول إن «إبراهيم الأبيض» أكّد امتلاك مروان حامد أداوت سينمائية جدّية ومحترفة، وإن شَابَت فيلمه الثاني هذا هنات قليلة في تصوير بعض اللقطات وتسجيل الصوت والتقاط مشاهد وغيرها من التفاصيل الصغيرة، التي يتغاضى النقد عنها لأن الفيلم برمّته متماسك ومشغول بذهنية مخرج موهوب وجميل وصاحب مخيّلة، على أمل ألاّ يسقط في فخّ الميزانيات الضخمة التي يُمكن أن تُجرِّد الصنيع الفني من لغته الإبداعية، إذا لم يُحصّن المخرج نفسه من تلك الهيمنة الاقتصادية الخانقة

نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية


أحرق بعد القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلال نعيم


بعد أكثر من عام عى مشاهدتي لفيلم أحرق بعد القراءة !٠
Burn after Reading
وجدت نفسي، لأول مرة ازاء مفردة أو مفهوم يبدو من الصعب ربطه بالسينما الأمريكية وخاصة عاصمتها المهولة هوليوود

هل هو كافكا أم غونتر غراس من أعلن بأن الفن لعب في أغلبه! وهذا بالضبط ما فعله جويل وناثان كوين في أحرق يعد القراءة!٠
يقول جويل كوبن: "كنا نريد أن نرى هؤلاء النجوم: جورج كلوني، براد بيت، جون مالكوفيتش والآخرين بأدوار مختلفة تماما فاهتدينا لخلق هذه الشخصيات وهذه التركيبة التي شكلت هذا الفيلم" !٠
هل هو نوع من الترف؟ أم الزهد؟ أن ينتقي اثنين من أكثر المؤلفين والمخرجين في هوليوود سلطة وحظوة، خاصة بعد فوزهما باربعة اوسكارات كان آخرها عن فيلم
No Country for Old Man
لكي يجسدا ما يجري في مخيلتهما، وما يكلف ملايين الدولارات، لتحقيق رغبة ما أو ربما مجرد نزوة سينمائية بفعل الترف أو بفضل الزهد! الترف في أن تفتح لك أبواب أكبر مصنع للسينما في العالم: هوليوود.. فتختار أن تصنع فيلما من نوع أحرق بعد القراءة الذي يندر أن تجد له مثيلا.
فلو أمتلكت الأرض الواسعة والمواد الكافية والمال الكافي لتشييد قصر كبير وأستعضت عن ذلك ببناء كوخ صغير وجميل يناسب مزاجك وبنفس مواد القصر أو بعضا منها.. اليس في ذلك نوع من الزهد؟ فبامكان ألاخوين كوين خلق فيلم مثل" سبايدر مان" او "بات مان" او "ايرون مان" أو أي من الافلام التي تنتهي بمان أو تبدأ به والتي تخصص لها ميزانيات خرافية.. ولكنهما فضلا الكوخ الصغير لأنه سيحقق شيئا عنّ في مخيلتهما!٠
ولم يكن في مخيلتهما شيئا عظيما، ولكنه مميز الى حد لا يصدق: فيلم كوميدي عن الـ
CIA
فيلم لا يتوسل الضحك: لا أحد يطلق النكات، لا أحد يصنعها أو يصطنعها! فيلم مليء بالوجوه الجادة، الصارمة والمنفلته الاعصاب في أغلب الأحيان.. يبدأ بموظفين كبار في ال
CIA
يبلغون جون مالكوفتش (المدير في قسم التحليلات هناك) بأنه مطرود من العمل بسبب ادمانه على الكحول.. ومنها تنفجر الأحداث التي وصفها الناقد ابراهيم العريس باللئيمة، وهو ادق وصف للفيلم كله، حيث تقرر زوجته التي ترتبط بعلاقة مع آخر (جورج كلوني) الطلاق منه، فتأخذ معلومات مهمة عنه من كومبيوتره الشخصي وتضعها على قرص مدمج وتسلمه لمحاميها لكلي يبدأ باجراءات الطلاق، وبمفارقة تافهة تضيع سكرتيرة المحامي القرص في مركز اللياقة البدنية الذي تتدرب فيه، يعثر عليه هناك براد بيت الشاب النزق الذي يعلك طوال الوقت وال
IPOD
لا يفارق اذنيه، فيجد فيه فرصة للاغتناء السريع، فيشترك مع زميلته الخمسينية التي تفتقر لأدنى حدود الجمال فرانسس ماكونمارد والتي تخطط لاجراء اربع عمليات تجميل تتجاوز فيها قبحها، فيبدآن في محاولة ابتزاز جون مالكوفيتش الذي يستشيط غيضا دون ان يحصلا منه على شيء، فيتفاوضان مع السفارة الروسية لبيعها، باعتبارها معلومات سرية، ولكن الحرب الباردة كانت قد انتهت، والروس ليسوا مهتمين بذلك، رغم انهم يفحصون المعلومات ويدققونها قبل ان يعلنوا رفضهم، وهنا يحقق المخرجان مجموعة من أجمل المشاهد سخرية من خلال عرض مبنى السفارة الروسية وممراتها والاجواء التي تكتنفها حيث مازالت تفوح منها رائحة الـ
KGB
ويبدو مجرد سؤال موظف السفارة لهما عن القرص المضغوط إن كان ويندوز أم ماكينتوش نكتة كبيرة تستدر ما هو أعمق من الضحك..!٠
وبعد فشلهما في ذلك يذهب براد بيت الى العنوان الموجود في القرص ويتضح بأنه عنوان عشيق زوجة مالكوفيتش، الموظف الكبير في الخزانة الامريكية جورج كلوني الذي يخون زوجته بمواعدة النساء اللواتي يتعرف عليهن من خلال الانترنت والمغرم بتصنيع الآلات الجنسية.. وبينما يختبيء براد بيت في بيته، في محاولة للحصول على أسرار أخرى، يعود كلوني الى بيته ويرديه قتيلا بعد أن يجده في مختبئا في خزانة ملابسه، من دون ان تسنح له فرصة معرفة من هو وماذا يفعل هناك ومن أرسله، فيتصاعد رهاب الغموض والاحساس بأنه مراقب من جهة ما خاصة وان سيارة تتبعه اينما يذهب. ثم لأنه تعرف على رفيقة براد بيت فرانسس ماكونمارد في احدى مغامراته، فان الأخيرة تطلب منه مساعدتها في البحث عن براد بيت المفقود منذ أكثر من يومين، وما أن تعطيه خيوط تدل عليه وهما يجلسان في حديقة عامة حتى يتصاعد رعبه فيصرخ فيها: من أنت؟ وماذا تريدين؟ ومن أرسلك؟ ونرى بعينيه بان الجميع يراقبه – وكأنه يترجم مشاعر المواطن الامريكي الذي خضع للمراقبة بعد أحداث ايلول من مختلف الأجهزة- فينفلت هاربا.. ثم يتصل بزوجته التي ذهبت برحلة للترويج لكتابها الجديد الموجه للاطفال، والتي لا ترد على مكالماته لأنها منشغلة بخيانته مع شخص آخر.. ويرتفع منسوب جنون (كلوني) عندما يصدم متعمدا سيارة الرجل الغامض الذي يراقبه وما أن يهدده حتى يعترف بانه يراقبه لصالح زوجته التي تريد الطلاق منه.. فيترك صديقته (زوجة ماكوفيتش) ويحطم الأجهزة الجنسية التي يصنعها بنفسه!
والمضحك في كل ذلك ان وكالة المخابرات الأميركية تراقب كل شيء، وتدون ذلك في تقارير تقدم للمسؤولين فيها، وتكون التوصية دائما: راقبوا كل شيء حتى تتضح الامور!
وبسبب غياب (براد بيت) أو مقتله تلجأ رفيقته فرانسس ماكونمارد الى مدير مركز التدريب البدني الذي تعمل فيه: القس السابق آلن الدا الذي أوحى بغرامه بها لأكثر من مرة لكن من دون جدوى، فيتطوع للذهاب الى بيت مالكوفيتش ليحصل لها على معلومات أستخباراتية أكثر لتبيعها الى الصينيين، وبينما هو في بيت مالكوفيتش يكتشفه الاخير ويعلن له بانه قد قضى حياته في مصارعة اناس تافهين مثله يصيبه في كتفه اول الامر، ثم يلحقه الى الشارع بساطور كبير ويهشم رأسه!
هكذا تصل الأحداث الى ذروتها، التي يكسرها المخرجان/المؤلفان بمشهد الخاتمة الذي جاء قمة في الاداء والحوار المختزل والذي يضع السي آي ايه


نواة الفيلم، حيث يقدم المدير الكبير فيها تقريره الى رئيسه الذي يبدأ بسؤاله عن موظف الخزينة (جورج كلوني) فيجيبه بانه مقبوذ عليه في المطار لأنه حاول السفر الى فنزويلا! فيرد عليه بان السفر غير ممنوع الى فنزويلا.. فليطلقوا سراحه اذن! أما عن جون مالكوفيتش فيذكر بان رجلهم المكلف بمراقبته أطلق على رأسه الرصاص بينما كان يضرب آلن الدا بالساطور في الشارع، وقد مات الأخير بينما نقل مالكوفيتش الى المستشفى وهو في غيبوبة قد لا يخرج منها.. ماذا تبقى اذن؟ نعم المرأة (فرانسس ماكونمارد) تطلب بأن تدفع لها مصاريف عمليات التجميل الأربع! يأمره بأن تدفع لها الأجور ليبقى كل شيء طي الكتمان..
ثم :٠
- يا الهي.. مالذي تعلمناه من هذه التجربة؟
- لا أعرف سيدي..
- وأنا لا أعرف أيضا!
ثم وكأنه يواسي نفسه:٠
- أعتقد تعلمنا بأن لانفعل ذلك مرة أخرى.. أذا عرفت بما فعلناه أصلا!٠
- نعم سيدي.. يبدو من الصعب قول ذلك!
- يا الهي.. اللعنة!
يغلق الملف فتنسحب الكاميرا الى الاعلى ونرى العالم وكانه كله مراقب من الفضاء بأحدث التقنيات!
هكذا يتم حرق الملفات حال قراءتها كما تشير أقدم الطرق المخابراتية أو وسائل المحافظة على السرية.. ولكن ليس بالامكان طبعا حرق هذا الفيلم/ الكوخ الصغير الذي شيده الأخوين كوين بمواد تكفي لقصر لأن أحرق بعد المشاهدة الذي صنع بزهد (ألأخوين كوين) الخاص، زهد هوليوودي لا يكلف غير ملايين من الدولارات! ٠

جلال نعيم: سيناريست وناقد عراقي مقيم في لوس أنجيليس٠


بغداد- باريس: سيرة شاعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلاح سرميني


السينما العربية مُتقوقعةٌ على ذاتها بموضوعاتها، وجغرافيّتها. هذا كلامٌ خطيرٌ، ومُثيرٌ للجدل٠
منذ بداياتها، وحتى اليوم، لم نشاهد فيلماً روائياً، أو تسجيلياً، قصيراً، أو طويلاً (ماعدا القليل جداً منها) يتخطى حدود الهموم الشخصية ـ المُغرقة في ذاتيّتها أحياناً ـ أو العامّة، وجغرافية بلد الإنتاج، وكي أُطمئن المُعترضين، أؤكد بأنه أمرٌ تشترك فيه سينمات وطنية كثيرة لا يهمّها ماذا يحدث خارج حدودها، على العكس تماماً من أخرى (وطنيةٌ أيضاً) ثقيلة التاريخ، والإنتاج، مثل فرنسا التي تعتبر الكون كلّه تيماتٍ مُمكنة لمُنتجاتها السينمائية، والتلفزيونية، ولهذا، سوف نجد بأنّ الأفلام الأجنبية التي تطرقت لقضايانا المصيرية أكثر عدداً مما صوّرته السينمات العربية مُجتمعةً، وما التقطته كاميرات العالم عن العراق يتحلّى بالتعددية السياسية، والفكرية، ويفوق كماً، ونوعاً ما أنتجه السينمائيّون العراقيون أنفسهم٠

٠"بغداد ـ باريس، سيرة شاعر" فيلم تسجيليّ فرنسيٌّ (54.40 دقيقة) من إنتاج 2008 وإخراج الفرنسية إيمانويل لاغرانج ، واحدٌ من تلك الأفلام الكثيرة التي اهتمّت بالآخر، بدون الاتفاق، أو التعارضَ معه، ولكن، فقط، بهدف إثارة الجدل حوله، ومحاولة إيجاد أرضية تفاهم مشتركة٠
اللقطة الافتتاحية للفيلم قريبةُ بما يكفي، أصابعٌ تسحب محفظةً، ومن ثمّ صندوقاً حديدياً، بدايةً، فكرتُ بأنّ الشخصية الرئيسية للفيلم، الشاعر العراقي صلاح الحمداني، سوف يفتحهما، ينبشهما، ويستعيد ذكرياته من خلالهما٠

لم يكن الأمر كذلك، ما شجعني على الاستمرار بالمُشاهدة باطمئنان، إذّ حالما أخرجت تلك الأصابع كتباً كثيرة كتبها الحمداني خلال فترة منفاه الثلاثينيّة٠

بدأ الفيلم بصمتٍ، لازمةٌ شعريةٌ بامتياز، ماعدا بعض مُؤثراتٍ مُتوارية في شريط الصوت، وصدى موسيقى مخنوقة يتعالى تدريجياً، ويختلط مع صرير عجلاتٍ حديدية، وتتداخل صور الكتب التي تُراكمها الأصابع واحداً بعد الآخر مع أطيافٍ سريعة لاختراق قطارٍ للصورة، حالما تنتقل المخرجة من اللقطات الكبيرة إلى واحدةٍ عامة، أسلاكٌ كهربائية، وقضبانٌ مُتشعبة، قطارٌ يزحف نحو وكره، ثعبانٌ حديديّ رصاصيّ اللون، رمز الحركة، الزمن المُنقضي/أو القادم، كما السفر، الغياب، والعودة٠

Gare du Nord
محطة الشمال في باريس، وخارجها، تتباهى الشوارع بأشجارٍ مُصطفة على الجانبيّن مُزينة بمصابيح كهربائية مُلونة.
في تلك اللحظة بالذات، يُشير التعليق (بصوت المُخرجة) إلى الفترة الزمنية للتصوير، السبت 30 من شهر ديسمبر2006، اليوم السابق للاحتفالات برأس السنة الميلادية، والتي تزامنت وقتذاك مع حلول عيد الأضحى٠
خطةٌ دراميةٌ مدروسةٌ لإظهار التناقض الفظيع بين طقوسٍ اجتماعية/جماعية، وحالةً من الوحدة الإبداعية، التيمة الغالبة على الفيلم٠
كان ذاك التاريخ، حداً فاصلاً بين عامٍ، وآخر، هناك من يرغب بأن يمضي بأسرع وقتٍ، وآخرون يتشبثون بأعمارهم الماضية، يتأرجح الزمن ما بين عاميّن، كما الكاميرا التي تلتقط شذراتٍ من مكانيّن، وزمنيّن مختلفين، يتصارعان بحبٍّ، وجفاءٍ في العالم الداخلي، والخارجي لـالحمداني: الوطن، وبلد الإقامة/المنفى، ماضياً، وحاضراً(يبدو لي بأن الفيلم تفادى المُستقبل)٠
تراكم الكتب في لقطةٍ واحدة كبيرة، حتى وإن انسابت إلى الفيلم بدون قصدٍ، هي وسيلةٌ جماليةُ إستعارية تُشير ضمنياً إلى انقضاء السنوات الماضية، مفردةٌ سينمائيةٌ استخدمها السابقون زمن السينما الصامتة بطريقةٍ مختلفة، ومازلنا نشاهدها من وقتٍ إلى آخر في هذا الفيلم، أو ذاك : المزج بين لقطاتٍ مُتعاقبة، وأصابع تُراكم الكتب واحداً بعد الآخر.
أعرف بأن صلاح الحمداني باريسيٌ منذ أن وطأت قدماه أرض الغربة، وأكثر من ذلك، يسكن بعيداً عن "محطة الشمال"، وهذا يعني، بأنّ المخرجة تعمّدت تتابعاً درامياً مدروساً منذ لحظات كتابة السيناريو، أو خلال التصوير، وتخيّرت بأن تُراكم مفرداتها بطريقةٍ سردية شعرية، وتبدأ رحلتها اليومية مع صلاح الحمداني في فترةٍ فاصلة ما بين عاميّن.
ولكن، حالما نعرف بأننا فعلاً أمام تاريخٍ حاسمٍ، ومفصليّ، هو اليوم الذي أُعدم فيه الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" شنقاً، ويبدو بأن المخرجة اختارت كلّ عناصر فيلمها بعناية، حتى ذاك التعليق بصوتها الذي تتحدث فيه عن حدث الساعة، وكأنّ المتفرج يعرف صلاح الحمداني مُسبقاً، وهي بدايةٌ غير تقليدية للكشف عن عوالمه٠
اختارت المخرجة التواري خلف الكاميرا التي وصلت إلى المحطة، ومن ثم تجوّلت في باريس، ومع لقطاتها البانورامية للمحلات المُصطفة على جانبيّ الشوارع، بدأت تُمهدّ للشخصية المُحورية، ومازالت اللقطات تتمازج مع أصابعه يكتب أشعاراً، مُوحيةً بأنها تريد أن تتعرّف/أو نتعرّف على صلاح الحمداني الشاعر أولاً، والمنفيّ المُعارض للنظام العراقي السابق ثانياً.
هي تحكي عنه بطريقةٍ حميمة، وكأنه قريبٌ جداً منها، تنطق اسمه الأول "صلاح"، وتتوقف عنده بعض الثواني قبل أن تُكمل حكايته
ـ يعيش في باريس منذ 32 عاماً (حتى تاريخ التصوير في عام 2006) لاجئٌ سياسيّ، ....
ومازالت لقطاتها كبيرةٌ تتمازج فيها أصابع الشاعر تكتب بالعربية، والفرنسية، تختلط بصورٍ ضبابية لشارعٍ بغداديّ تصطفّ على جانبيه نخلاتٌ عاليات٠

لقد تخيّرت درامياً أسلوب الرحلة، الانتقال من مكانٍ إلى آخر من أجل اللقاء معه، وهو الذي سوف ينقلنا لاحقاً إلى بغداد، فتختلط الرحلة الرمزية للمُخرجة مع تلك الحقيقية التي عاشها الحمداني في عام 2004، وصوّر لقطاتٍ منها سوف تتوازى مع الرحلة الباريسية في فتراتٍ مُتقطعة من المدة الزمنية للفيلم، وتتمازج معها أحياناً.
تتجوّل كاميرا المخرجة في شوارع باريس المُنتظرة للعام الجديد، يُرافقها نُواح موسيقى، والسيناريو يُؤجل ظهور الحمداني، ويُمهدّ له بلقطاتٍ قريبة جداً لوجهه، وبالكاد نرى عينيّه الساكنتيّن، كان علينا الانتظار قليلاً كي نسمع أخيراً صوته مصحوباً بدندنةٍ خفيفة على العود، صياغةٌ سينمائيةٌ تقترب من الحكاية، وتبتعد عنها في مراتٍ أخرى لصالح الجانب الريبورتاجي في الفيلم٠
المخرجة في رحلة بحثٍ رمزية (نعرف بأنّ تحضيراتٍ دقيقة سبقت التصوير) عن صلاح الحمداني الذي يُقاوم حيازة هاتفٍ محمول (بالإمكان تحويل فكرة البحث إلى فيلم قائماً بذاته)، ويقدمه المونتاج قطعةً، قطعة في لقطاتٍ قريبة جداً٠
في البداية، فكرتُ بأنّ الصدفة وحدها (والسينما تكتشف لغتها، وتُجددها من خلال الصدف الجمالية)، وربما الرغبة هي التي جعلت المخرجة تختار بأن نتعرف على صلاح الحمداني في أحد صالونات الحلاقة يقصّ شعره، ولكن، بالإصغاء إلى أشعاره التي نسمعها صوتياً، فهمت بأنها كانت ركيزةً جوهريةً للأسلوب الجماليّ الذي تخيّرته، والذي قادها إلى نظم نصف قصيدة (النصف الآخر ريبورتاجيٌ تماماً) تكشفت من خلال الطريقة المونتاجية في تقديمها له : أصابعه، فمه، خصلات شعره المقصوصة،...٠
اكثر من ثلاثة دقائق من الفيلم انتظاراً للتعرّف على الشخصية الرئيسية، عيناه المُكتئبتان حزينتان حدّ البكاء٠
هاهي الكاميرا أخيراً تتابع الحمداني في جولةٍ إسترجاعية يحكي عن الماضي، وهي بالأحرى تتابعه من الخلف، ومن الجانب، ويبدو بأنها تُحاذر إظهار الحزن الغارق ألماً في عينيّه.
وسوف يكون المترو الباريسي لازمةً بصريةً/صوتية يحتفي بها السرد الفيلميّ من وقتٍ إلى آخر، وظلال المارة مثل أشباحٍ فوق جسرٍ، يختفون، ويظهرون في حركةٍ سريعة، لقطةٌ شعريةٌ فاصلة ما بين عالميّن، وأسلوبيّن في الكتابة السينمائية
ـ الأماكن الخارجية تتوافق مع الأسلوب السينمائيّ الشعريّ٠
ـ الأماكن الداخلية في منزل صلاح الحمداني، ومكتبة المستشفى حيث يعمل، والحوارات المُباشرة مع الكاميرا/المخرجة تتوافق مع الأسلوب الريبورتاجيّ ٠
ومع ذلك، من المُفيد الإصغاء إلى ما يقوله المنفيّ الذي أصبح شاعراً
ـ ...كان الهمّ الأكبر، بالنسبة لي، كيف أترك بغداد، وعندما وصلت إلى باريس، أصبح شاغلي الأساسيّ كيف أعود إليها٠
في عام 2004 عاد الشاعر إلى بغداد في زيارةٍ قصيرة، صوّر مقتطفاتٍ منها بكاميرا فيديو رقمية، استخدمت المخرجة بعضها بحذقٍ، وقدمتها في موعدها المونتاجيّ المُناسب تماماً.
تُطعمّ فيلمها بتلك اللقطات المُوجعة المأخوذة في حارةٍ بغدادية شعبية قديمة (تشبه كثيراً الحارات الدمشقية)، وفيها نرى صلاح الحمداني مُحاطاً بأناسٍ يتحركون، ويؤشرون للكاميرا بأصابعهم، وهو في حالة ابتهاجٍ، وفرح، يبتسم، ويضحك.
اللقطات جيدة تقنياً، تقدمها المخرجة بما تحويه من أصواتٍ طافحة بمُؤثرات الحارة، والأحاديث المُختلطة، والصراخ، على العكس تماماً من اللقطات التي صوّرتها المخرجة في شوارع باريس، وهي غالباً مُنتقاة، ومُصفاةٌ من مؤثراتها الصوتية بما يُناسب النفسَ الشعريّ للفيلم
يتجسّد في الفيلم إذاً عالميّن على مستوى الزمان، والمكان
ـ باريس، المنفى، الوحدة، السكون، اللقطات القريبة جداً، الصورة المُتشظيّة للشخصية الرئيسية، الحدّ الأدنى من الأصوات المُحاذية لحدود الصمت، والموسيقى المُتوارية في الصورة٠
ـ بغداد، الوطن، الحارة الشعبية، الجماعة، العائلة، اللقطات العامة، الضجيج، صدى ترديد القرآن من مذياع، الحوارات المُتشعبة، الابتسامات، الضحكات، القبلات، الأحضان، لحظات الالتباس بعد 30 عاماً من الغياب، وبراءة الأطفال الفضولييّن بطلباتهم المعهودة في لحظات تصويرٍ مُماثلة : صوّرنا عمّو ... صوّر، صوّر...٠
ومن المُفيد أيضاً الإشارة إلى أفراد العائلة، وهم يتوجهون بابتساماتهم، وضحكاتهم، وتعليقاتهم، إلى الكاميرا، وكأنها الحمداني نفسه٠
ـ شلونكم، آني أحبكُم، آني "مائدة" عمتكم، أتمنى أشوفكم، مشتاقتلكم هواية، "صلّوحي" هلا، آني أموت عليكم...
صلاح الحمداني في لقطاته التي صوّرها في بغداد، يختلف تماماً عن "صلاح الحمداني الذي نشاهده في باريس، حيث تخيّرت المخرجة زوايا مُحددة تُظهره إما خيالاً في مرآةٍ كبيرة في مقهى، أطيافاً شبحية في منزله، أو قطعةً، قطعة، وكأنها تجمع أجزاءه المُبعثرة في منفاه.
وكم كنت أتمنى بأن يحافظ الفيلم على سينمائيّته، ونفًسَه الشعريّ، ويُقلص ما أُمكن من أسلوبه الريبورتاجيّ، وخاصةً تلك التي يتحدث فيها صلاح الحمداني بشكلٍ مباشر إلى المخرجة/الكاميرا(وصلت المدة الزمنية لتلك اللقاءات إلى حوالي 29 من أصل 55 دقيقة)٠
بدونها، أتخيّل الفيلم قصيدةً سينمائيةً تتسامى مع أشعار الحمداني التي يُلقيها بصوته المسرحيّ الخشن (مثلّ صلاح الحمداني في السينما، والمسرح) المصحوب بأنين نغمات آلة موسيقية شجيّة٠
تكشف الكاميرا أرجاء منزله في لقطاتٍ متوسطة متتالية، وتتفادى استخدام الحركات البانورامية، شغوفةٌ بالمكان، والسكون، واللوحات، والصور المُعلقة على الحوائط، وهي عندما تدرك بأنها منتشية بصوته، وهو يلقي أشعاره، تقدمه في أطيافٍ شبحية، يروح، ويجئ من غرفةٍ إلى أخرى، ولكنها لا تستمر، وتقطع ذروة الانتشاء حين تعود إليه في لقطةٍ متوسطة هي جزءٌ من مشهدٍ تمّ تقطيعه، وتوزيعه على طول المدة الزمنية للفيلم٠
ولحسن الحظ، لا تتمهل كثيراً عنده، وتعود مرةً أخرى إلى الجانب الشعريّ في الصورة، والصوت، ودائماً في لقطاتٍ كبيرة تجمع شتات الجسد، والروح، وربما تكون تلك اللقطات التي تتداخل فيها أشعار الحمداني بالفرنسية، والعربية من أجمل لحظات الفيلم، وهي تُمهد الطريق نحو مكانٍ آخر ٠
وعلى الرغم من الجمال، البهاء، والصفاء الذي تتباهى به مقبرة
Père-Lachaise
، إلاّ أنها، بالمُقابل، لا تخفي جانباً سوداوياً، مُوحشاً، ومُقبضا، وتُضفي على الفيلم إحساساً طاغياً بالموت، لم ينفع معه المنفى هروباً، ولا الشعر مُنقذاً من نهايةٍ مُؤجلة، ولكنها حتميّةصلاح الحمداني في لقطةٍ متوسطة أمام قبر المخرج المسرحيّ "فيكتور غارسيا" يتحدث عن ذكرياته معه، وتمثيله لدور "أنكيدو" في "ملحمة جلجامش" التي عُرضت على مسرح شايو" عام 1979٠
هنا، وعلى الرغم من الأهمية المعلوماتيّة القصوى، تشدّ المخرجة أسلوبها إلى الجانب الريبورتاجي، وهي لم تنتبه/أو انتبهت إلى ظهور الميكرفون في طرف بدلته، وأكثر من ذلك، عندما تؤكد حضورها الصحفي خلف الكاميرا، وتُوجه له أسئلةً عابرةً كنت أتمنى تفاديها مونتاجياً، واستبدالها باختياراتٍ سينمائية تتوافق مع عظمة المكان جمالاً، وقدسية، في تلك اللقطة بالذات، تقترب الكاميرا من وجه الحمداني أكثر بدون تغييّر زاويتها، فنشعر بحركتها، وتُعيدنا قسراً إلى الحالة الريبورتاجية
ولكنها، حالما تعود إلى أسلوبها الشعريّ، وخصوبة الحياة مطراً في لقطاتٍ قريبة جداً, ودندنة خجولة لآلةٍ موسيقية، ومتابعة بانورامية جانبية/ومن الخلف للشخصية الرئيسية، بينما يُعيدنا شريط الصوت إلى الماضي من خلال خبر إذاعي، وبالتحديد شهر أبريل من عام 2003 يُذكرنا بحادثة اعتداءٍ جسديّ تعرّض لها صلاح الحمداني من طرف مجموعةٍ متظاهرين احتجاجاً على غزو العراق
وكي لا يختلط الأمر على القارئ، والمُتفرج، يشرح الحمداني موقفه:
ـ إنني ضدّ الاعتداء على العراق من طرف القوات الأمريكية، والانكليزية، ولكنني، بالمُقابل، ضدّ "صدام حسين"....
وفي ختام تلك اللقطات التوثيقيّة المُستعارة من برنامجٍ تلفزيونيّ، تُعيدنا المخرجة إلى أسلوب التحقيقات التلفزيونية، وكان بإمكانها تفادي ذلك التأرجح بالاستغناء مونتاجياً عن الأسئلة التي طرحتها مباشرةً على صلاح الحمداني:
ـ حسناً، كان ذلك في عام 2003، ما هو شعورك، وأنت تشاهد هذه الصور من جديد ؟
ستّ دقائق تقريباً، وهي أطول فترةٍ زمنية تراخت فيها الكاميرا أمامه، وتركته يتحدث عن تلك الحادثة.
منذ مشهد المقبرة، أصبحت المخرجة مُغرمة بطرح أسئلة أكثر مباشرة، وضوحاً، وتقريرية.
وبعودتها إلى الحمداني في شوارع باريس، تمنح الإيحاء باختلاط الأزمنة، والأمكنة، وكأنه يرى شوارع بغداد من منفاه من خلال مونتاج متوازي هي من أكثر اللقطات توافقاً مع الحالة المُنشطرة التي يعيشها الحمداني
في تلك اللحظات، تنحو الموسيقى في اتجاهٍ آخر أكثر اقتراباً من التراث الموسيقيّ العراقي الشعبي، حيث ضربات طبلة في إيقاعٍ متكررٍ رتيب


وحدها السينما، وعن طريق المونتاج، التحام اللقطات، تعارضها، تصادمها، أو توافقها،.. تمتلك القدرة الإبداعية على الإيحاء بتباعد، وتقارب الأمكنة، والأزمنة من بعضها حتى التمازج، وأعتقد بأن كلّ منفيّ، أو مهاجر يعيش هذا الانصهار الذهنيّ الدائم بين الوطن، والمنفى، أو بلد الهجرة٠
اللقطات التي صوّرها الحمداني في بغداد، أو على الأقلّ، تلك التي اختارتها المخرجة لتطعيم فيلمها، هي لقطاتٌ حانيةٌ، حنينيةٌ، صادقةٌ، ومُوجعةٌ.
وبين قوسين، أشير بأنّ معظم التحقيقات التلفزيونية التي رافقت بعض العراقيين العائدين إلى الوطن بعد الغزو (التحرير)، امتلكت جانباً فضولياً منحرفاً (البصبصة): بكاءٌ، نحيبٌ، عويلٌ، وضياع،..٠
وطفحت بعض الأفلام التسجيلية بالتكلف، والزيف: تقبيل الأرض، يعقبها مباشرةً نظرةً سياحيةً مُتعالية، وكأنّ المخرج العائد يردد في داخله: "الحمد لله لأنني أعيش في بلدٍ أجنبيّ، كم أنا محظوظ،....
ونبشت أفلامٌ أخرى الماضي المُتمثل بالنظام السابق(ديكتاتورية، إعدامات، مذابح، سجون، معتقلات، أنفال، قطع آذان،...)، واجترّت كلّ مفردات التحقير، والذمّ المُتداولة، واصطنعت بطولاتٍ وهمية إلى درجةٍ فاقعة، وصلت أحياناً إلى حدّ الكذب العلنيّ (في أحد التحقيقات التلفزيونية الفرنسية، عثر أحدهم على ملفه الأمنيّ وسط مكانٍ مدمرّ كان ـ على حدّ قوله ـ مقراً للمُخابرات، أو الأمن، سجناً، أو معتقلاً) ٠
يا الله...٠
وأظهرت بعضها الجنود الأمريكان المُخلّصين مصحوبين بعراقيين، يتجولون بعشقٍ، ورعونة في شوارع بغداد، أو يجولون في سياراتهم المُصفحة، ودباباتهم، ويبتسمون للكاميرا، أو على أكثر تقديرٍ، يطلبون رخصة التصوير، فيحتدّ المخرج مُعترضاً ـ أليسَ بطلاً ـ ويستلّ سيفه من غمده، أقصد جواز سفره الأجنبيّ، ويرطن بإنكليزيةٍ تشوبها لكنةٌ عراقيةٌ واضحة لم تمحيها باريس، لندن، برلين، مدريد، أو كوبنهاغن،..٠
I am a European citizen, you do not have the right to prevent me from filming in my own country
أنا مواطنٌ أوروبيّ، ليس لك الحقّ بمنعي من التصوير في بلدي٠
وعلى طريقة المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، أتخيّل إجابة الجندي الأمريكي : طزّ فيك٠
والحقيقة التي لا تقبل المُجاملة، لم أجد في لقطات صلاح الحمداني ، وفيلم إيمانويل لاغرانج أيّ نزعةٍ من تلك "البطولات الملحمية"، حيث أظهرت الجانب الإنسانيّ منه، وحالات الافتخار، والانكسار، إنه منفيٌّ مناهضٌ للنظام السابق، قاوم الديكتاتورية شعراً، ويتحلى بالصلابة مثل: أنكيدو، غارسيا، كامو، وسيزيف،....٠
ولولا علاقتي القديمة بـصلاح الحمداني منذ منتصف الثمانينيّات، ومعرفتي بسلوكه المُختلف تماماً عن بعض رافعي راية معارضة النظام السابق، والذين تاجروا بها حتى العظم، والخيانة، لما صدقته أبداً
كان اختيار المخرجة لبعض اللقطات التي صوّرها الحمداني في بغداد دقيقاً، لم تجنح إلى إظهار الحالة الميلودرامية في رحلته، ماعدا لقطةً واحدةً مُؤلمة تلك التي جمعت الحمداني مع أحد أصدقاء الطفولة، ويبدو بأنه لم يتعرّف عليه بعد، فيجرّه الحمداني، ويحتضنه، عندها يتفطنّ الصديق، ويضرب بكفه على صدغه، وتنفرط دموع الاثنين بكاءً رجولياً، خجولاً، وبدوري، لم أستطع التحكم بمشاعري (وأنا المُدمن أفلاماً هندية)٠
تكشف اللقطات الأخرى المُتبقية جانباً إنسانياً فريداً، تُوحي للمتفرج بأن صلاح الحمداني لم يغبّ عن عائلته يوماً واحداً، وخاصةً تلك التي جمعته بأمّه المُثقلة بملابسها السوداء، ونظارتيّها الكبيرتيّن، صامتةٌ، هادئةٌ، صلبة، جبارة،.. ورُبما كانت رغبة الحمداني، و/أو المخرجة الابتعاد ما أُمكن عن البكاء، والعويل المُتوقع في لقاءاتٍ مُماثلة بعد غيابٍ طويل٠
بدوري، وفي حالة اللقاء مع شخصيةٍ ما في فيلمٍ تسجيلي، أميل إلى الصوت من خارج الصورة، وهو ما حدث في المشهد الذي يدور في فناء المستشفى حيث يعمل الحمداني أميناً لمكتبته، وحسنا فعلت المخرجة بـ"تحريره" من الأماكن الداخلية، ولكنها للأسف، حالما تركته يتحدث إلى الكاميرا مباشرةً كي تعود من جديدٍ إلى أسلوب التحقيقات التلفزيونية
وفجأةً، تبيّن لها جماليات المكان، فعادت لتصويره يهيم في فناء المستشفى، طيفاً في حركةٍ بطيئة، يصحبه صدى فحيح بعيد، وهو الأمر الذي نسيت أن تفعله في المقبرة٠
ومن المُؤسف أيضاً بأنها أدخلته إلى المكتبة، وعادت إلى دور الصحفية تُوجه له الأسئلة من جديد، كي تُرافقه فيما بعد إلى شارع
Faubourg Saint Denis
في الدائرة العاشرة، وبالتحديد إلى ممرّ
Brady
في تلك اللحظة، توقعتُ مباشرةً، وأنا المُهاجر مثله، والعاشق للأحياء الهندية، بأنه سوف يتحدث عن رائحة التوابل، ولكن، ....بأسلوبٍ ريبورتاجي (ماذا أفعل بك يا إيمانويل ؟)٠
ومن ثم تعود إلى المزج مابين لقطاتٍ صُورت في بغداد، وأخرى في باريس تتوافق بشكلٍ ما مع ذاك الشارع، وممراته، الأمّ حاضرةٌ فيها صورةً، صمتاً، وشعراً، حباً، احتراماً، وتبجيلاً، والأبّ غائب
مركبٌ سياحيّ يتهادى في نهر السين، يلتقي بقارب صيادٍ عراقيّ يرمي شبكته، ينهل من خيرات دجلة، المترو الباريسي يتسابق مع السيارات المُنهكة في شوارع بغداد
بالوصول إلى أعالي هضبة
Montmartre
حيث كنيسة "القلب المقدس"، بدأتُ أشعر بنوعٍ من التحفظ إزاء اختيارات أماكن التصوير، حيث، وبشكلٍ عام، لا أجد ضرورةً قصوى بأن يمسح الفيلم جغرافياً كلّ الأماكن التي تحبها، أو ترتادها الشخصية الرئيسية، إلاّ إذا كانت تتضمّن قدراً كبيراً من الأهمية في علاقتها بتيمة الفيلم، كحال المقبرة، المستشفى، أو مقهى الحيّ،...حتى وإن التقطت الكاميرا هناك بعض اللقطات الجميلة، والتي جعلها المونتاج تتناغم بشعرية: طيورٌ، ملاهي الأطفال الدائرية، مياه إحدى القنوات، لقطةٌ كبيرةٌ لعينيّ الحمداني،....٠
وكم تمنيتُ حقاً بأن ينتهي الفيلم عند تلك اللقطة المُتوسطة، وفيها يتنزه الحمداني (بطلبٍ من المخرجة طبعاً) في مركبٍ يعبر إحدى القنوات المائية، يتقدم نحو نفقٍ حتى تتحول الصورة تدريجياً إلى شاشةٍ سوداء، ولكن، بعد تلك اللقطة الدالة، السوداوية ـ رُبما ـ، الشعرية بامتياز، تعود المخرجة مرةً أخرى إلى الحوار المُباشر مع الحمداني، ومن ثم إلى شوارع باريس، وتنطلق تلك التيمة الموسيقية التي يغلب عليها ضربات الطبلة تغازل ترنيمات العود٠
ولكن، أخيراً، تحقق جزئياً ما كنت أتخيله، فقد أنهت المخرجة فيلمها (بغداد ـ باريس، سيرة شاعر) بمرور سيارة عابرة يُحدث إظلاماً مُفاجئاً للصورة.
هل انتهت سيرة شاعر ؟
لا، أبداً، إنها بدأت للتوّ، منذ اللحظة التي سوف يبحث القارئ عن الفيلم لمشاهدته....

صلاح سرميني: ناقد سينمائي يعمل ويعيش في باريس٠



Puplic Enemeis | أعداء الشعب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



رجل العصابات الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة ابان الأزمة الاقتصادية الأبرز في تاريخ تلك البلاد، ما إن يدخل الى السجن، في افتتاحية الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة ابان الأزمة الاقتصادية الأبرز في تاريخ تلك البلاد، ما إن يدخل الى السجن، في افتتاحية فيلم مايكل مان الأحدث عهداً، حتى يخرج منه مصحوباً بالأسلحة وأزلام الظلّ والذخيرة، ضامناً الاستمرار و"النضال". بين الدخول والخروج هذين، حفنة لقطات قصيرة متعبة وبضع دقائق فاصلة وحاسمة، كان يمكن مخرجها مان، وهو سيد من أسياد التجريب في هوليوود، أن يستعرض خلالها "الطاقة" الاخراجية التي صنعته خلاقاً قادراً على تشكيل مناخات اقوى، من اجساد تتهاوى الى تشابك وتبادل رصاص على طريقة الباليه. لكن مان يفضل، على هذه الاسلوبية، ادارة العملية بيد فاعلة ومقتصدة: بضع طلقات نارية وعراكات بالأيدي، ثم يصبح جون ديلينجر (جوني ديب) حراً طليقاً مجدداً، وينطلق الفيلم الحادي عشر لسينمائي لا يقارَن مع ايٍّ من الذين تركوا بصمات في سينما الجريمة. السبب في ذلك انه صاحب اصالة، من الجنريك الى الجنريك. في خياراته التقطيعية ونقلاته المستمرة بين الداخل المتوتر والخارج الهادئ، تذكّرنا هذه الافتتاحية بملفيل في افضل انجازاته: جدار عال يشطر السماء اثنتين، رماديات واخضرارات باهتة تلون الصورة، أجساد فيها حضور وعزم تكسر الكادر منذ اللحظة الاولى. والآتي لا شك أعظم

ما أن يصبح دلنجر (1903-1934) في ذمة الجريمة المنظّمة من جديد، حتى حتى تنبعث فيه الحياة، سرقة ونهباً والتهاماً لأموال المصارف التي يختارها من بين أقلها لطفاً مع الزبائن. هنا أيضاً، لا نحتاج الى أكثر من مشهد - دليل لنتدارك سهولة الأمر بالنسبة الى أفراد عصابة سرعان ما يتحولون الى أعداء الشعب. ولئن ليس من حكاية عند مان تكتمل من دون ان يكون لها وجهان أو طرفان، الخارج على القانون ومَن يعمل على تطبيقه، فإن الشريط يأخذنا من مطاردة الى أخرى، تنتهي فصولها المختلفة أمام صالة سينما. كنا نعلم أن عمل مان يتشكل من هذا المكوث التأملي على الخط الرفيع الفاصل بين الخير والشرّ، وهنا حلقة مستجدة من صراع القط والفأر اللذين يتطلع الواحد في عين الثاني، قبل أن تأخذهما جولة جديدة من المطاردة. فالاضداد عند مان لا يكره بعضهم بعضاً بل يتبادلون احاسيس الودّ الباطنية وغير المعلنة٠
ديلينجر هذا، أقله في جانبه المعروض هنا، لا يختلف عن سائر المخربين في سيرة افلام العصابات الهوليوودية. بيد أننا نراه مرغماً، لسبب من الأسباب، على التذكير دائماً بأنه "ليس كسائر الرجال"، وخصوصاً عندما يكون في صحبة فتاة متواضعة الأصل (ماريون كوتيار) ينقضّ عليها بطريقة فحلوية منذ نصف الساعة الاول من الفيلم، موجداً حلاً سريعاً لأزمتيه البيولوجية والعاطفية (قبل ذلك كان يعاشر العاهرات) كأنما يضرب عصفورين بحجر واحد. ( واذا كان على قدر عال من الذكورية في اختيار اسلحة الاغراء، فذلك يتأتى أيضاً من تورط مان في هذه الذكورية المفرطة التي تُحسب نقطة سوداء على سينماه منذ بدايتها، وهي منعته دائماً، لكن بدرجات متفاوتة (هنا الهنة الوحيدة)، من ان يجيد بلورة الشخصيات النسائية والذهاب بها الى ابعد من جعلها مجرد اكسسوار


خلافاً لرجال عصابات آخرين من اصحاب العقول النيرة، لا يملك ديلينجر مخططاً. وهو، كما يقول لصديقته في لحظة دفاع عن خياراته المخبولة، "كثير الانشغال بالحاضر كي يفكر في المستقبل". هذا الكلام وهذه الباطنية التي عند الشخصية، كان لا بدّ أن يُترجما بشكل من الاشكال. ولئن كانت سينما مان هي ايضاً سينما تعتمد على المساحة المعطاة الى الممثل وادائه، فإن خيار جوني ديب يبدو هنا خياراً صحيحاً لأنه يترجم هذه الحيرة التي لا يرتاح اليها لا المشاهد ولا المخرج، لأننا سنظل، طوال ساعتي الفيلم، نجهل ماذا يدور في عقل هذا المشاغب، ولا نعرف حتى النهاية ما اذا كان على قدر من الذكاء أم السذاجة! أما أسوأ ما يملكه فهو عندما يحاول مغازلة صديقته واقناعها بأنه "مخلصها" المنتظر وبأنها لن تعود مجدداً الى مزاولة مهنة متواضعة في احد الفنادق. فهل يحاول بذلك اطالة حبل الكذب أم هو لا يدرك اصلاً ان ما يقوله كذب؟ لا النصّ ولا عينا جوني ديب، الذابلتان في تلك اللحظة، يفصحان الكثير عن هذا السرّ، سرّ شخصيةٍ صوفُها أحمر منذ البداية، لكن مان يحمل ديلينجر واثمه على الراحات، لسبب واضح وصريح هو ميله الفطري الى الخارجين على القانون والعدالة، ولزادهم التراجيدي الرومنطيقي الأخاذ (جيسي جيمس نموذجاً) المتبلور على الشاشة، لقطة خلف لقطة
يصوّر مان مشاهد الحبّ كمشاهد صراع، ومشاهد الصراع كمشاهد حب. واذا هتف قلب مخرجنا الكبير الى هذا البطل بالذات الذي اهتزت العروش من أجله في الثلاثينات الأميركية، فذلك لأنه ينتمي الى طينة أخرى من الابطال الذين كان لديهم يد طولى في صناعة التاريخ الأميركي المعاصر، وليسوا مجرد وصوليين منهمكين في سرقة ما يوفر لهم عيشاً هانئاً. أمثال ديلينجر يدركون تماماً ان كل خطوة لهم هي خطوة في اتجاه الأخرى لكن هذه المعرفة لا تغير شيئاً في سلوكهم.
تفصيل آخر ذو شأن قد يكون حثّ مان على الانكباب على الشخصية: كان ديلينجر هو الذي ساهم في تطوير الشرطة الأميركية. ومن أجله أبتكر ما بات يعرف اليوم بالشرطة الفيديرالية (أف بي أي). ويقال إن ديلينجر هو أول من لجأ الى خطف رهائن خلال عملية سطو على مصرف. وكان بذلك كله "مدرسة" لمشاغبي العقود التالية

يدور النصّ حول زوايا الشخصية، مسلطاً الضوء على سحرها وذكائها، ممتنعاً عن قول الكثير في شأنها (اعجابه بجيسي جيمس مثلاً)، مما يتيح لمان الفرصة كي يظهر صراعات كبيرة داخل صراعات أصغر لكنها تبدو كبيرة، اذ يتبدى فجأةً مدى تضعضع النظام البوليسي وارتباطه بالسياسة والمصالح العليا، وهشاشة رجال الشرطة وعدم كفايتهم. ويحرص النصّ دائماً على كسر هيبتهم وتحويلهم زمرة من الفاشلين. وأن يصرّ مخرجٌ على تبيان أن لا فرق كبيراً بين الطرفين، وأن الخير والشر صنيعة ظروف، فهذا ليس بخطاب جديد (العودة الى "رجل عصابات أميركي" لريدلي سكوت)، لكن مان يفعل ذلك على طريقته الخاصة جداً، بعيداً من الشعبوية وقيم المحافظين، فتتدخل الصورة الفيديوية، بفظاظتها أحياناً، لمزيد من الابهام والتغبيش والمساواة بين الأطراف المتخاصمين. الصورة الفيديوية البالغة أحياناً حدّ الرداءة (نكاد نرى البيكسيل) هي ضباب مخيم على هذا الفيلم

يضع مان عالمين أحدهما في مواجهة الآخر: الكلاسيكية الهوليوودية الملابس، الديكور، الأفكار، الموسيقى، نصف التصوير) في ( مقابل الحداثة الرقمية المتمثلة في الاستعانة بالفيديو. هذا الفيديو الذي عرف مان كيف يدفعه الى ذروته التشكيلية منذ استخدمه في "علي" (2001)، يمنح الحقبة المستخعادة إطاراً جمالياً فريداً يكسر روتين الأفلمة الأكاديمية لحقبات مضت. وهذا ما يجعل من المخرج شاعر الديجيتال الأهم. التضاد أو الكونتراست يتجلى ايضاً في المنظومة الفكرية التي يمتلكها ديلينجر وفي تلك التي عند مطارديه الذين يبحثون عنه "حيّاً أو ميتاً"، كما يتناهى الى مسامعه. من هذا الصراع خرجت أميركا ما بعد الثلاثينات أمة قوية واثقة بذاتها. واذا بدا ديلينجر قوياً وواثقاً بنفسه أيضاً، فذلك لأن خصمه كان ساعتذاك لا يزال ضعيف البنية وصاحب شكوك مزمنة واضحة في المشهد حيث يتحدى ديلينجر الشرطي ملفين برفيس كريستيان بايل، الممثل المناسب في الدور المناسب). وهذه الثغرة ( يراهن عليها رجل العصابات لكسب معركته الملحمية الطويلة التي تقودنا عبر الغابات والطرق الخاوية والملتوية في قرى نائية، فيما تتراقص كاميرا مان على وجوه شخوصه ساعياً الى البقاء أقرب ما يمكن من مسامات جلودهم.
لم يعد سراً ان الأبطال في السينما غالباً ما يستمدون نفوذهم من أعدائهم. هذه ثابتة من ثوابت الفن السابع. اذاً، هريان السلطة هو قوة ديلينجر، وهو يدركه جيداً، وهذا ما يشجعه على الدخول الى مقر الشرطة ذات مرة، وتحديداً الى الوحدة المخصصة للقبض عليه، ويتسكع في أروقتها، في واحد من أروع مشاهد الفيلم

تفصيل آخر ذو أهمية قصوى: من بين الأشياء التي يحبها ديلينجر هناك السينما. يرتاد الصالات المعتمة دورياً. في الدقائق الهيتشكوكية التي يُختتم الفيلم على اثرها، سيذهب ديلينجر لمشاهدة "مانهاتن ميلودراما"، من بطولة وليم باول وكلارك غايبل، الذي منه "سرق" شاربيه المقصوصين بعناية شديدة. هذا الحوار بين الفيلم على الشاشة والفيلم الذي أمامنا نحن المشاهدين، ذو دلالات عميقة. وسرعان ما يتحول الحوار الى لعبة مرايا متبادلة بين غايبل وديلينجر. نسمع غايبل في "مانهاتن ميلودراما" ينصح شريكه بـ"مت سريعاً"، قبل أن يهندس تفاصيل موته، وهو موت سرعان ما يأتي ليخطف ديلينجر أيضاً. انه تحالف سامٍ بين السينما والحياة! مع هذا المشهد، الذي يجسدّ قمة الروعة في سينما مان، يتأمل الفيلم مسألة تحويل المجرمين والسفلة رموزاً خالدة. لكن حيال هذا الشيء لا يشعر مان بأي عيب أو أسف. مثل سلسلة كبيرة من المجرمين خلّدتهم الشاشة، يدين ديلينجر الى السينما بالكثير، في حياته كما في موته، لذا يتيح مان له مشاهدة نفسه، للمرة الثانية قبل أن يهوي، علماً ان المرة الاولى كانت حينما ذهب الى مقر الشرطة وتأمل صوره على لوحة مملوءة بمذكرات التوقيف. بين المرتين، الاولى والثانية، ثمة فرق كبير، اذ ينتقل بصر ديلينجر من النظر في شخصه الى النظر في تجسيده. مع هذا المشهد، لا نستطيع الا ان نرى مساواة بين النجم السينمائي وعدو الشعب الاول، والاثنان يمتلكان شعبية، لا تقاس بأفعالهما انما بما يمنحان الناس من أحلام للهرب في زمن اقتصادي صعب. ويبقى أعداء الشعب" وفيّاً لهذا التراث الذي كرسه "الفيلم الاسود"، في " ترجحه الدائم بين زمن غابر وحاضر يتسرب من بين أنامل أيقونات الشاشة. مرة أخرى يبرع مان في خلط الحاضر والماضي، مستحضراً عناصر من خارج الشاشة ومن داخلها. ودائماً ثمة شيء يذكّر بشيء آخر. هناك شبح جيمس كاغني واشباح أخرى كثيرة تلازم هذا الفيلم الذي سرعان ما يتحول في ادارة مان الى انشودة ليل، قاتمة، عبثية...٠
تتشكل سينما مان في الدرجة الاولى من لقيات بديعة. من عملية بسيطة لنقل السجين ديلينجر، تراه يؤلف قصيدة يقتبس فيها جماليات من الانطباعية الألمانية. كذلك الأمر بالنسبة الى مصابيح السيارات التي تنير ليل سينماه. وأخيراً، بسلاح أوتوماتيكي اصبح اليوم في المتاحف، يفتح النار على سينما الحركة البليدة التي لا تبعث على التفكير. بالنسبة الى مان، ثمة حقيقة واحدة لا غير: اذا اردنا فهم الواقع (الأميركي) الآني فعلينا أن نفهم أولاً الماضي


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


4. TESTING

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا >> 11:12 PM >>
ُThis is for testing only.
For full reading go to: shadowsandphantoms.blogspot.com
And: filmreader.blogspot.com
بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Harry Potter And the Half Blood Prince

لست من أتباعه لكن الخبر خبر: أنجز هذا الفيلم المنتمي الى سلسلة هاري بوتر (الجزء السادس من ثمانية) في عروض اليوم الأول في الولايات المتحدة وكندا ٥٨ مليون دولار بما في ذلك عروض منتصف الليل التي جاوزت الـ ٢٢ مليون دولار٠
فوق هذا، فإن اجمال ما ضخّته الأسواق في 33 موقعاً عالمياً وصل الى قرابة ست وأربعين مليون دولار وهذا رقم قياسي إذ أن مجموع ما حصده الفيلم في يوم واحد وصل الى 104 مليون دولار٠
المزيد عنه في موضوع حول سلسلة هاري بوتر في هذا العدد٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح الخير

سعيد اليوم لاستقبال موافقة الزميل والصديق سمير فريد على إعادة نشر مقالة حديثة كتبها عن الممثل الراحل عماد حمدي وذلك في طلّة نوعية تعني الكثير لجهود هذا الموقع والتزامه بثقافة سينمائية واسعة٠
وكما يعلم المتابعون، كنت أعلنت سابقاً عن رغبتي في ضم أصوات مصرية حتى لا تبقى الكتابة من طرف او طرفين فقط، من ناحية ولشمولية ونوعية الموقع/ المجلة في ذات الوقت. ويسرّني ان أعلن أن مباحثات بدأت بيني وبين رفاق قلم نقدي واحد ممن نحترم في مصر لهذه الغاية وسأعلن عن المزيد لاحقاً٠

سعادتي كبيرة أيضاً باستقبال الناقد السعودي خالد ربيع السيد الذي انفرد بكتابة النقد السينمائي في المملكة قبل سواه وذلك منذ سنين ومؤخراً صدر له كتاب بعنوان »الفانوس السحري« تجدون عنه مراجعة، بين كتب جديدة عديدة وصلتنا في الأعداد القريبة القادمة٠
كل من مقالة الصديقين سمير فريد وخالد ربيع السيد موجودان في هذا العدد

أيضاً يسرني هنا أن أعلن عن انضمام الزميل الناقد صلاح سرميني الى جملة من يختارون هذا الموقع لنشر او إعادة نشر ما يكتبونه. الزميل صلاح بعث بما يمكن اعتباره بانوراما واسعة لسينما لا تأخذ حقّها من الإهتمام هي السينما اليلوودية. هذا تعزيزاً لسينما نظرنا اليها وحكمنا عليها غالباً بأنها ميلودرامية وفي بعض الأحيان لا تستحق الإهتمام (ليس هناك سينما لا تستحق الإهتمام أصلاً) رغم أنه في صلب ذلك عرفت تنوّعات واتجاهات لا زالت غائبة عن النقد العربي وصلاح سرميني سيؤمن هذا الجانب٠

هناك أسماء أخرى قيد الإتصال لكني سأنتظر الإعلان عنها حين استلم كتاباتها (والبعض سيكتب خصيصاً لهذا الموقع) وهي قادمة من الولايات المتحدة والعراق وهولندا والإمارات العربية المتحدة٠
والمسألة ليست سوى خلق حلقة تعاون مثمرة في صعيد الثقافة السينمائية بعينها من دون تحزّبات او شللية او تحالفات مع او ضد أي فريق٠ ولا يعنيني أن أكون رئيسا او مرؤوساً واسهاماتي في مواقع ليست لي دليل على هذا٠

قريباً يبدأ »ظلال وأشباح« عامه الثالث ولا يزال الهدف منه واحد: الحديث في السينما من دون غايات أخرى والرغبة في تعزيز موقعها كثقافة سينمائية ضروية لخدمة الإنسان اولاً وإبداعه وتقدّمه. واليد ممدودة الى الجميع٠



لديك بريد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأخت عبير من مكّة المكرّمة تسأل
ليش ما ترجع للتلفزيون يا أستاذ محمد. أنا ما كنت أطالع الا الأفلام التي تنقذها أنت بأسلوبك الساخر٠

جواب | شكراً جزيلاً يا أخت عبير على سؤالك . السبب هو أن معظم المحطّات التلفزيونية لم يعد يرضيها برنامج سينمائي موزون ورزين. يريدونه خفيفاً مثل محارم الورق ولا أستطيع والحالة هذه أن أستجيب واشترك في أحد هذه البرامج بالطريقة المطلوبة٠ آخر محاولاتي أنتهت قبل عشرة أشهر تحديداً٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة بإسم سهران من جدّة تقول

مبروك التحقيفات الجديدة والترتيب الجديد للعدد. ومع أني أصبحت الآن أمضى وقتا أطول لأقرأ كل شيء في هذا الموقع لكنن أعرف الآن عن السينما والأفلام أكثر من شهرين او ثلاثة أشهر حين بدأت بقراءة الموقع لكن أستاذ محمد عندي طلب: هل لك أن تكتب فعلاً عن ستيفن سبيلبرغ سبيلبرغ كما وعدت؟

جواب | عزيزي سهران شكراً للثناء وشكراً للتذكير. سبيلبرغ في غضون أسبوعين الى ثلاثة، لأني مشغول بمخرج آخر هذه الأيام ولسبب مهم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهناك رسالتان حول موضوع واحد بدأ التطرّق اليه تعليقاً على موضوع مخرجي السبعينات في هوليوود المغيّبين حالياً والمنشور في العدد 438
الأولى، حسب ترتيب الوصول كانت من الأخ عمر منجونة الذي كتب

بالنسبة لمخرجى هوليوود , أريد أعرف رأى حضرتك عن علاقة (ستانلى كوبريك) بشركات الانتاج وهى التى تبدو علاقة شاذة من نوعها وتصب فى صالح الطرف الأول. ترى ما الذى ميز كوبريك لهذا الحد رغم فشل أعماله الطويلة الاولى تجاريا. ولماذا حظى بهذا الاهتمام الكبير من الشركات الضخمة رغم إقامته بعيداً في لندن، ولماذا لا ينفرد سكورسيزي مثلاً بتجربة مماثلة بحكم الشهرة التي وصل إليها؟
الشهرة التى وصل اليها ؟

الرسالة الثانية هي من الأخ محمد العسكري الذي يقول
عندي سؤال على موضوع هوليوود والمخرجين. يا ترى من ضمن أسباب عدم التعامل استخدام عدد أيام أكبر في التصوير واستخلاك خام أكثر، زي مثلا ديفيد فينشر بيعيد اللقطة الواحدة 20 مرّة؟

جواب | شد كيرك دوغلاس، الذي كان نافذ الكلمة في الستينات، من أزر ستانلي كوبريك حين تمنّعت يونيفرسال عن الموافقة على بعض شروطه خلال تصويره »سبارتاكوس«. رغم ذلك، أدرك كوبريك منذ ذلك الحين إنه سوف لن ينصاع الى طلب شركة إنتاج في حياته٠حقق فيلمين لمترو غولدوين ماير واحد سنة 1962 هو »لوليتا« والثاني سنة 1968 هو »أوديسا الفضاء« وبينهما »دكتور سترانجلاف« لحساب كولمبيا، ثم التزم من العام 1971 بشركة وورنر حين أخرج لها »كلوكوورك أورانج«٠
أعتقد أنه مثال على أن المرء يُعامل كما يرغب من الآخرين معاملته وكوبريك أراد أن يعامله الآخرون على النحو الذي نجح في فرضه عليهم: حرّية كاملة، استقلال انتاجي وفني شامل وسيادة خلال التصوير وبعده حيث لا يستطيع أي من كبار وورنر زيارة موقع التصوير من دون دعوة كوبريك وكوبريك لم يكن يدع أحداً٠
لو أن كوبريك تنازل مبكراً لتنازل دائماً لأنه من الصعب تصحيح إعوجاج حدث٠ لكن أيضاً هناك استعداد وورنر من جانبها٠
على غير سواها من الاستديوهات الكبيرة تلتزم وورنر بطاقمها القديم من السينمائيين. المثال الحاضر كلينت ايستوود إذ لا يزال ينتج أفلامه من تمويلها٠ وهي التي رضيت أن تعتبر كوبريك فنّاناً مختلفاً الى حد المطلق وتعامله بالإستجابة الى متطلّباته وبصرف النظر عن طيلة فترة التصوير٠
باقي المخرجين، مارتن سكورسيزي بينهم، يشعرون دائماً بالضغط: فيلمان متتابعان يسقطان كافيان لأن يجعلا المخرج من هؤلاء يتساءل عما إذا كان سيجد التمويل المناسب لفيلم ثالث٠



25.07.09
بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Mr. Nobody


أحد الأفلام التي تعلّق عليه السينما البلجيكية آمالاً كبيرة ضمن الدورات المتتالية للمهرجانات السينمائية في هذه الفترة من العام الفيلم الجديد للمخرج جاكو فان دورميال »السيد لا أحد« عن رجل بلغ المئة والعشرين سنة من العمر في عالم ما عاد يموت فيه البشر. في الدور الرئيسي الأميركي يارد ليتو والألمانية ديان كروغر (كلاهما في الصورة) لجانب البريطاني ريز إيفانز٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر خمسة أفلام شاهدها الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Bullets or Ballots | William Keighley (1936) ***
L'Atlandite | Jacques Feyder (1921)
****1/2
The Ugly Truth | Robert Luketic (2009)
*1/2
< G- Force | Hoyt Yeatman (2009)
**
Double Indemnity | Billy Wilder (1944) ****

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد الإنترنت

كل شهر أنتقل من البلدة التي أعيش فيها (توسون، أريزونا) الى هوليوود (ساعة بالطائرة) وأمكث أسبوعاً أحضر فيه مناقشات جمعية المراسلين الأجانب وعروضها السينمائية وبعض تلك اللقاءات التي تتم بيننا وبين السينمائيين المختلفين٠
هذا الأسبوع كانت هناك زيارة لموقع تصوير »الخطة البديلة« او
The Back-Up Plan
الذي تقوم ببطولته جنيفر لوبيز التي بدت في الحياة جميلة كما في السينما٠ وكنت في السيارة استمعت الى حديث مع عالم اجتماعيات حول موضوع الثقة من النظرة الأولى إذا ما كانت ممكنة او لا. وتساءلت: ماذا عن السينما؟ لم نمنح ثقتنا الى ممثلين ونحجبها عن آخرين بصرف النظر عن موقعهم من القصة. كان الوضع أكثر سهولة فيما مضى وحسب وصف كتاب: البطل بالقبّعة البيضاء والشرير بالقبّعة السوداء، والشرير هو الذي يبصق على الكلب بينما البطل هو من يربّته. طبعا المسألة تعقدت أكثر منذ أن عمد صلا أبوسيف وألفرد هيتشكوك الى تعيين ممثلين ضد النمط....٠
أيضا عروض لأفلام
The Ugly Truth, True Blood, Cold Souls
G Force وفيلم الأنيماشن
في اجتماعنا تناولنا موضوعاً لم يكن مطروحاً حتى لعامين مضت
(رغم وجوده من قبل ذلك): ماذا ستفعل الجمعية إزاء اختفاء الصحف المطبوعة، او اختفاء نقاد السينما وصحافييها من تلك الصحف (بدعوة شد الحزام) ولجوئهم الى الإنترنت٠
نظامنا ، كونه وُضع في الثلاثينات حين كانت هذه الجمعية عبارة عن بضع صحافيين ونقاد يلتقون في أحد المقاهي كلّما طرأ عليهم إجتماع ما، لم يعترف بالإنترنت، وفي السنوات القريبة أصدر تحريماً على الأعضاء بيع أي مقابلات يحصلون عليها او يقومون بها لأي إنترنت أميركي
(غير أميركي لا بأس). كذلك فإن عملية إثبات أنك لا زلت ناقدا او صحافيا ممارساً تتطلب الى اليوم (مرة كل عام) إبراز أربع مقالات مطبوعة وليس مقالات مكتوبة على الشاشة٠
هذه المرّة بدأنا نتحدّث عن موضوع الإنترنت على أساس أنه لم يعد هناك اي سبب لتجاهله وتركت الإجتماع والإدارة تخطط لإصدار قانون جديد يتيح استيعاب نقاد آنترنت من خارج أميركا
(كونها جمعية مراسلين أجانب) من بعض المواقع ذات السمعة الطيّبة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجان فانيسيا يُعلن لجان تحكيمه

ثلاث مسابقات تتطلّب ثلاث مجموعات من المحلّفين في الدورة المقبلة من المهرجان الإيطالي العتيد.
في قسم »آفاق« يترأس المخرج الأسباني بير بورتابيللا فريقه المؤلف من الفنان بادي مينك
(لوكسمبرغ)، والمخرجة جينا كيم (كوريا الجنوبية) والمخرج جيانفرانكو روزي (ايطاليا) والمخرج غارين نوغرو (اندونيسيا)٠
في مسابقة الأعمال الأولى فإن القيادة منحت للمخرج الأفرو- أميركي المستقل هايلي جيريما الذي كان نال جائزة الأسد الفضي في العام الماضي عن فيلمه »تيزا«٠ تحت قيادته يتوزّع كل منه المخرج الأميركي، من أصل إيراني، رامين بحراني الذي منحه "أتحاد النقاد الدوليين" في العام الفائت جائزتها عن فيلمه »غودباي صولو«٠ أيضاً جياني دي غريغوريو الذي قدّم في الدورة الماضية فيلمه
Pranzo Di Ferragosto

الذي منح بالإنكليزية عنواناً مختلفاً يعني »غداء منتصف شهر أوغست« وفاز بجائزة الجمهور. أيضا في نفس هذه اللجنة
(الصعبة) المخرج الأميركي (أيضاً أفرو-أميركي) أنطونيو فوكوا ("يوم التدريب") والمخرج البريطاني تايلور وود٠
للأفلام القصيرة لجنة مؤلفه من الأميركي ستيوارت غوردون والروسية أوليفا سيتورا المسؤولة عن البرمجة
UCLA عن مهرجان كينوتور، كما ستيف ريكي مسؤول الأرشيف في جامعة

وكان المهرجان أعلن قبل أشهر عن أن المخرج أنغ لي
(الذي قدّم فيلمه الأخير »أخذ وودستوك« في مهرجان كان الأخير من دون إثارة تُذكر) سيقود لجنة تحكيم المسابقة الرسمية٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعقيب | المحلّية ليست الطريق الى العالمية بالضرورة

لا يزال القول سائداً في بعض الأوساط السينمائية العربية بأن الفيلم المحلي هو الطريق الى العالمية٠
هذا قول قديم تردد في الستينات وربما من قبل وكان يحمل نصيباً كبيراً من الصحّة حينها. أيام ما كان العالم لا يزال متباعداً بحدود من كل نوع ولون ما جعل التبادل والعروض العالمية للأفلام غير الأميركية أمراً ممكناً، فكنت ترى في نيويورك ولوس أنجيليس او في ريو دي جنيرو او أثينا او باريس او سيدني، في استراليا، فيلم الياباني ياسيجيرو أوزو الغارق في المحلية »الربيع الباكر« وبجانبه في ذات العواصم او سواها فيلم فيتوريو دي سيكا »سائق الدراجة« كما العشرات وبل المئات من الأفلام المتنوّعة القادمة من كل تلك السينمات التي ليس لديها آلية توزيع شاسعة ودُولية مثل السينمتين الأميركية والهندية٠
بيروت ذاتها كانت تشاهد أفلاما برازيلية وتركية وسويدية وفرنسية وأميركية ومصرية واسبانية وهندية وايطالية وسواها على حد سواء وفي صالات على مسافات قريبة٠

كان العالم مختلفاً حين كان يجهل بعضه بعضاً ويريد أن يتعرف. تثيره المسائل من نواحيها الثقافية والفنية كما العلمية وجزء كبير منه تراه مقبلاً على الأفلام التي تتحدّث عن الإنسان مصرياً كان او تونسيا او سويدياً لأنه مختلف عن القابع في البلد الآخر ولدى جمهور ذلك البلد فضول شديد٠

حينها كانت أفلام صلاح أبوسيف وتوفيق صالح وسواهما المحلّية تزيّن صالات وعروض ومهرجانات دولية- بقدر ما استطاعت هي أن تعلن عن نفسها. وأفلام هذين المخرجين- المثلين كانت محليّة في كل شيء
(على عكس أفلام يوسف شاهين التي تحدّثت مصري وفكّرت أوروبي منذ البداية)٠

القصد هنا هو القول أن مفهوم أن الفيلم بقدر ما يكون محلياً بقدر ما يكون عالمياً كان صحيحاً في الستينات ولنهاية السبعينات فقط. حال أخذ العالم يتوحّد ضمن مفاهيم اقتصادية وتقنية وعلمية ومناخية واحدة، وتقدّمت وسائل التواصل وصار الخبر الحاصل في دالاس يصل الى طنطا في غضون دقائق، والعكس صحيح، بات الآخر يعرف عن »المحلي« والمحلي يعرف عن »الآخر« أكثر مما يعرف كل منهما عن نفسه ولم يعد هناك حاجة
(نظرياً على الأقل) لمعرفة ذلك الآخر عبر الأفلام. بالتالي، المحلية ليست مطلقاً شرطاً للعالمية


هذا العدد
  • أزمتان بلغتين: "أمريكا" الفلسطيني و"عيون مفتوحة " الإسرائيلي | نديم جرجورة
  • فيلم "البشارة": الغياب والفقد وهوية الإنسان البحريني | خالد ربيع السيد
  • نجما موسيلليني بين الدكتاتورية والثورة في فيلم »دماء جامح« | ميسر المسكي
  • العالم الغريب والشقاء المرعب للكاتب والمخرج تشارلي كوفمَن | جلال نعيم
  • انطونيو بانديراس يتحدّث عن هوليوود والسينما الأوروبية ومستقبله | هوڤيك حبشيان
  • أين أختفى الممثل الحي في أفلام هوليوود هذا الصيف ؟ | محمد رُضا
مقالات نقدية


أزمتان بلغتين: "أمريكا" لدعبس و"عيون مفتوحة على اتساعها" لتبكمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة

أميركا
------------------------------------------
يسلط نديم جرجورة الضوء على فيلمين ، فلسطيني
واسرائيلي، بعد تحريرهما من النيات والأحكام
المسبقة٠
------------------------------------------
في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي، التي أقيمت بين الثالث عشر والرابع والعشرين من أيار الفائت، عُرض فيلمان روائيان طويلان هما الأولان لمخرجيهما: «أمريكا» للفلسطينية شيرين دعبس المقيمة في الولايات المتحدّة الأميركية (برنامج «نصف شهر المخرجين»)، و«عيون مفتوحة على اتّساعها» للإسرائيلي حاييم تَبَكمان المقيم في إسرائيل (برنامج نظرة ما»)٠«
إن المقارنة النقدية بينهما متحرّرة من النيات السياسية والأحكام المسبقة، لأنها مهمومة بتبيان أسلوب العمل السينمائي وكيفية التعاطي مع المسائل العامّة من خلال النماذج الفردية. والأهمّ أنها لا تأبه بالجغرافيا والتاريخ والنضال إذا كانت هذه كلّها مشغولة على حساب الفن والإبداع، على الرغم من الأهمية القصوى للجغرافيا والتاريخ والنضال، لكن ليس على حساب الفن والإبداع بل بالتكامل معهما شكلاً ومضموناً، علماً بأن السينما الفلسطينية أنتجت أفلاماً مهمّة لقيت اعترافاً عالمياً، كأفلام إيليا سليمان وميشال خليفي وهاني أبو أسعد وآن ماري جاسر وغيرهم، يجمعها موضوع واحد، تقريباً، هو صراع الشعب الفلسطيني في سبيل هويته وثقافته وشخصيته. ومن المؤكّد أن المستوى الفني أساسيّ في الدفاع عن فلسطين القضية والشعب، وأن هبوطه ليس لصالح لا السينما ولا القضية٠
هذه المقارنة هي بين أسلوبين في التعامل مع المجتمع ومعاناة ناسه، ولا تعني إطلاقاً أي مساواة في النظر بين المسألتين، فالانحياز بديهي وبلا شروط إلى الحقّ الفلسطيني. وليست المقارنة إلاّ لتعميق رؤية هذا الحقّ٠
هذان الفيلمان هما الروائيان الطويلان الأولان لمخرجَيْهِما، وقراءتان مختلفتان للواقعين الفلسطيني والإسرائيلي، على الرغم من تناقضهما في مقاربة الموضوعين، إذ بدا الأول متزلّفاً، إلى درجة ما، للغرب؛ في حين بدا الثاني تشريحاً قاسياً للبيئة الإسرائيلية المتزمّتة، أو مرآة شفّافة عكست واقع الحال، على الأقلّ. إنهما متشابهان على مستوى الإنتاج المتواضع، مع أنهما مختلفان كلّياً على مستوى آلية المعالجة، إذ سقط الأول في فخّ الخطابية والتسرّع في تقديم المادّة والمعالجة الفنية والدرامية، بينما حافظ الثاني على سوية إبداعية متواضعة. والمقارنة بينهما «قد» تجعل البعض يقسو على مقالة تهدف إلى القول إن هناك مشكلة إبداعية خطرة في النتاج الفني العربي، وإن بعض أسباب هذه المشكلة مرتبطٌ بانغلاق متنوّع الأشكال والمستويات، يحول دون إعمال العقل وتحرير المخيلة، علماً بأن أفلاماً إسرائيلية مُنتجة في الأعوام القليلة الفائتة على الأقلّ بدت أجمل درامياً وأهمّ فنياً وأقسى سجالياً من أفلام عربية كثيرة. ثم إن اختيارهما معاً في هذه القراءة النقدية نابعٌ من رغبة شخصية في تبيان نموذج فني عربي في التعاطي مع المسائل العربية، منسحب أيضاً على نماذج كثيرة، تغرق في الخطابية والندب وتحميل الآخر مسؤولية الهزيمة الذاتية؛ في حين أن النموذج الإسرائيلي يقسو كثيراً، أحياناً، في نقد الذات والبحث في خللها، وفي مواجهة إحدى أقسى المؤسّسات اليهودية في إسرائيل: المؤسّسة الدينية المحافظة والرجعية؛ علماً بأن هذا النموذج يُقابل خطاباً سينمائياً إيديولوجياً إسرائيلياً مناقضاً له تماماً، لأنه يزوّر حقائق ووقائع عربية، تاريخية وجغرافية وإنسانية، ويتجاهل الواقع الإسرائيلي بتغطيته بنِفَاق خطابي تجميلي٠

لقطة أخرى من فيلم "أمريكا" إخراج: لشيرين دعبس

واقع حيّ
أرادت شيرين دعبس أن تجعل «أمريكا» مرآة لواقع فلسطيني في البيئة المجتمعية الأميركية؛ وسعى حاييم تَبَكمان إلى تشريح البنية الداخلية للمجتمع اليهوديّ (وليس الإسرائيلي فقط) المحافِظ والمتزمّت. قدّمت الأولى صورة عن المواجهة الأميركية للفلسطيني المهاجر أو المنفي، خصوصاً بعد جريمة الحادي عشر من أيلول 2001؛ ورسم الثاني لوحة لثقافة منغلقة على ذاتها ورافضة الخروج من تقوقعها الديني والاجتماعي والثقافي والحياتي من دون أن يغرق الفيلم في تحليل سوسيولوجي أو نفسي مسطّح؛ مستنداً، في الوقت نفسه، إلى أدوات سينمائية بسيطة، على غرار استناد دعبس إلى مثل هذه الأدوات نفسها، وإن بدت النتيجتان متناقضتين، إذ ظلّ «أمريكا» خطابياً ووطنياً، بالمفهوم الساذج للخطابية والوطنية معاً، بينما تحرّر الثاني من وطأة السجال النقدي المباشر، لأنه غاص في التشعّبات المختلفة لهذه البيئة، من خلال نماذج فردية معينة. حاولت المخرجة الفلسطينية أن تُشرِّح العلاقة الصدامية بين الطرفين (الفلسطينيين والأميركيين تحديداً، من دون أن تتغاضى عن العلاقة الصدامية والعنفية القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين)، لكنها لم تشيّد عمارة سينمائية جدّية، لأنها مالت إلى مقاربة عادية لا تخلو من سرد حكائي مبسّط لأحداث مهمّة، علماً بأن الفيلم واقعٌ في مشكلات عدّة، أبرزها ضعف السيناريو وغياب الإدارة الفنية للممثلين تحديداً؛ بينما اختار المخرج الإسرائيلي البساطة الفنية أساساً للتوغّل في العالم المتديّن والصارم لمجموعة من الأرثوذكسيين المتشدّدين، من خلال علاقة حبّ عاصف بين رجلين متديّنين٠
لم تشذّ دعبس عن الجانب الفردي في فيلمها هذا، إذ تناولت أفراداً ينتمون إلى عائلة واحدة، يجتمعون في الولاية الأميركية إلينوي، لأسباب عدّة: الأم منى (نسرين فاور) أرادت إنقاذ ابنها الوحيد فادي (ميلكار معلّم) من الجحيم الإسرائيلي، فوافقت على السفر إلى شقيقتها رغدة (هيام عبّاس) المتزوّجة بطبيب يُدعى نبيل (يوسف أبو وردة)، علماً بأن الزوجين رغدة ونبيل جاءا الولاية نفسها قبل أعوام عدّة بهدف العمل وتحقيق الذات والبحث عن فرص حقيقية للعيش، قبل أن تكتشف رغدة أن الوطن أهمّ، على الرغم من كل شيء. غير أن التأقلم مع الواقع دونه صعوبات، في ظلّ تنامي الحقد الأميركي على العرب والمسلمين في مؤسّسات المجتمع المدني؛ والنزاع الذاتيّ بين البقاء والعودة مردّه العزلة التي تنامت حول العائلة الفلسطينية. انتبهت المخرجة إلى أن هناك أفراداً أميركيين غير ملتزمين سياسة هذه المؤسّسات، فجعلت أبرز شخصية أميركية إيجابية في تعاطيها مع هذه العائلة الوافدة حديثاً إلى «أرض الأحلام» رجلاً يهوديّاً من أصل بولنديّ، نجا من المحرقة النازية على نقيض أهله وأقاربه وأصدقائه هذا موقف خاصّ بالمخرجة، لكنه واضح النيات الإنتاجية والتسويقية). انتبهت إلى أن النهاية السعيدة ناشئة من قدرة الجميع على استعادة تأقلم ( ما، وإن ظلّ التأقلم معلّقاً في فراغ الأسئلة الأخلاقية والإنسانية العامّة٠

عينان مفتوحتان بإتساع

سلاسة المعالجة
من جهته، أبدى تَبَكمان سلاسة بصرية متواضعة في مقاربته إحدى أخطر المسائل الأخلاقية بالنسبة إلى الدين والمتدينين: المثلية الجنسية. يزداد الأمر خطورة، إذا أُدخل سؤال المثلية الجنسية إلى قلب المؤسّسة الدينية المتزمّتة والمنغلقة على نفسها. بدا اختراق المخرج هذا العالم، المحاصَر بالتقاليد المجمَّدة في الكتب القديمة والعادات الصارمة، بسيطاً وهادئاً، كأنه حريصٌ على عدم إشعال فتيل الغضب منذ اللحظة الأولى. فهو روى فصولاً من سيرة بيئة وأناس، من خلال اللحّام آرون (زوهار شتراوس)، المحترَم في بيئته الأرثوذكسية المحافظة في قلب أورشليم القدس، والمتزوّج من ريفكا (تينكربال)، التي أنجب منها أربعة أولاد، قبل لقائه الشاب إيزري (ران دانكر)، الخارج من صدمة عاطفية حادة أوقعه فيها تخلّي عشيقه السابق عنه (وهما أرثوذكسيان متديّنان أيضاً)، فإذا بأحوال الجميع تتبدّل: العائلة والحيّ والبيئة، والحبيبين أيضاً. وهذا كلّه مُصَوَّر بشفافية أقرب إلى سرد شعريّ يلتقط نبض العشق والتفكّك الأسري والعائلي والبيئي في آن واحد، ويصنع من المواجهات اليومية بين أطراف متناقضة وقوداً للاشتعال المؤجَّل. لا ينسى تَبَكمان إظهار التناقضات في ذات آرون، كاختزال سينمائي لتناقضات مشابهة لها يعيشها متعصّبون آخرون: فآرون يمارس عنفاً كلامياً ضد شاب مغرم بابنة الجيران، لأن والدها لا يريده لها؛ في حين أنه يمارس الممنوع (بالنسبة إلى المؤسّسة المنتمي إليها) في الخفاء. أي إنه ينضوي في الجماعة عندما لا يتعلّق الأمر به، ويخرج على الجماعة في المسائل الشخصية. ازدواجية أم خداع أم تحايل؟ الأهمّ من هذا، أن التفكّك ينخر جسد البيئة الضيّقة والمتشدّدة هذه، لكنه لا يقوّض أسسها، ربما بسبب مناعتها، بل ينسحب على أفراد رافضين لها، كآرون نفسه، وكابنة الجيران التي ترضخ لمشيئة الجماعة٠
إذا أخفقت شيرين دعبس في إدارة ممثليها (حافظت هيام عبّاس على أناقتها المعهودة في تقديم الشخصية وأداء الدور، من دون أن يعني هذا غياب التمثيل الاحترافي عند الآخرين، الذين لم يبلغوا مرتبة الإبهار، وإن التزموا تقنية عادية في التمثيل)، المنشغلة شخصياتهم السينمائية بالخطابية الوطنية على حساب الفن؛ فإن ممثلي حاييم تَبَكمان برعوا في جعل الشخصيات أقرب إلى الواقع الإنساني ومآزقه الأخلاقية والدينية والاجتماعية. وإذا أصيب سيناريو «أمريكا» وحواراته بشيء من الخلل والارتباك، فإن النصّ السينمائي لـ«عيون مفتوحة على اتّساعها» قدّم مادته ببساطة تملك عمقاً إبداعياً في مقاربة المسائل ومعالجتها درامياً وجمالياً٠

نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية *


فيلم »البشارة» ... الزوال وأدبية التراث البحريني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع السيد


------------------------------------------
الناقد السعودي خالد ربيع السيد يجد في فيلم محمد
بو راشد "البشارة" أكثر من سبب للإحتفاء به وبسينما
خليجية تتطوّر٠
------------------------------------------

في الغياب والفقد، وما يتولد عنهما من هواجس وبوح مكتوم وخلجات إلتياع مؤرقة، وبما يقودان اليه من هذيان الألم ومكابدة حرقة الفراق وتغييب الموت للأحباء، وأيضاً في ما تستوجبه الحياة العصرية من هجر المكان .. الأرض والمنشأ، الموطن بكل حمولاته الحميمية، والإنتقال الى مدن الخرسانة العصرية بكل ترسانتها الإصطناعية، وكذلك في دقائق التراث الموغلة في هوية الإنسان البحريني.. في كل ذلك يغوص المخرج محمد راشد بو علي بلغة سينمائية هادئة ليستخلص من قصة الروائي فريد رمضان معانٍ إنسانية عميقة، وليخلق من السيناريو رؤية بصرية زاخرة بالصورة المليئة بالتفاصيل الجمالية، ليقدم منهما فيلمه الأخير
The Good Omen | البشارة
عرضته شاشة مهرجان الخليج السينمائي في دبي مطلع هذه السنة، بإنتاج متميز أداره محمد عبدالخالق لشركة البحرين للإنتاج السينمائي ، ناجحاً في إستنطاق أحدوثة الوجع الشعبي المتوارث والضاربة في قسوة الزوال: موت الإنسان وإندثار المكان٠

إذن هو الموت بتأثيره النفسي الغائر، يتطرق إليه بو علي، سواء في فيلمه هذا أوفي فيلمه السابق "الغياب" ، حيث يتناوله في كلا العملين بأدبية رفيعة تجيّش المشاعر للتداخل مع خلجاته اللانهائية، بإعتباره أرقاً عرفه البحارة والصيادون والناس عامة في الخليج العربي، ربما بسبب إرتباطهم بحياة البحر المليئة بالمغامرة والسعادة والجحيم في آن واحد. أو بسبب ثورة البترول التي عصفت بالمنطقة فاجتاحت الإنسان وغيرت المعالم ..هو ألم لا يذبل مع مرور الزمن ويبقى جاثماً على الصدور كما صوره بوعلي برهافة حسية بالغة في 26 دقيقة٠

يصدح حسين بورقبة بمواله:٠
نيران قدر الدهر توقد في قلبي بحر
وعليّ سِلَّتْ سيوف الماضيات وبحر
الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر
يسرد الفيلم منطلقاً من الموال الفصل الأخير في حياة جاسم، أبومحمد (عبدالله ملك)، الذي يواجه حالة فقد مركّبة، تَفتُق حنينه أولاً للحبيبة الغائبة، زوجته أم محمد (مريم زيمان)، التي رحلت وفي قلبها جمرة فقدان إبنها البكر. وثانياً إشتعال مواجعه على المكان الآخذ في الإندثار، المتمثل في حارته/الجزيرة وأصدقائه وناسه القدامى ..آخرهم صديقه حسين (أحمد عيسى). ذلك الحنين يعصف به ويضعه في مأزق الحياة العديمة الروح، وهوالذي عاش حياة الحارة العتيقة بكل زهوها، وعاقر القيم الأصيلة وعرف معنى الألفة والمحبة الخالصة. لكنه يفيق بعد تبدل الأحوال فلا يجد في راهنه سوى الإنتظار والشرود بذهنه الى ماضيه المفعم بالطمأنينة وراحة البال٠

هذه الشخصية المأزومة جسّدها الممثل عبدالله ملك بتعايشٍ عميق إنعكس على لغة جسده وتعابير وجهه، وأسهم في الإحساس بذلك مكياج ياسر سيف مُظهره في سن متقدمة، في مقابل لقطات الإرتجاع بالزمن (فلاش باك) التي برزت فيها مريم زيمان بأدائها التلقائي ، لاسيما وأن طريقة أدائها تسعى الى الوصول لأقصى درجات الطبيعية. تظهر أم محمد في لقطات ضبابية وهي باسمة، كما تبتسم الأمهات اللائي تركن أحبائهن وهن راضيات . مشبعة بألق الدعة، مرتدية ثوب المكورر الزاهي ، تتهادى بين الواقع والخيال في تكامل سحري سينمائي يبديه بوعلي وقد إتضحت سمات حرفته الإخراجية في نهج الواقعية الأدبية، خاصة وأن موضوع وقصة الفيلم يتطرقان الى الواقع من زاوية نستولوجية توطد مفاهيم الأصالة وتماحك صراعها مع الحداثة٠

لكن هذا الواقع بهوته الواسعة الرابضة بين جيل جاسم وجيل حفيده، جيل الإنترنت والعلاقات الإلكترونية التخيلية، كما صورها مشهد إنشغال الحفيد بالتخاصب عبر المسنجر .. ذلك الواقع الإفتراضي والتواصل الوهمي لا يمت لعالم جاسم بصله أورابط مادي حقيقي، لذا يجد نفسه غريباً وحيداً فقد زمنه وكينونته، بعد أن ناطحت سنوات عمره العقد السابع. ومع إشتداد إحساسه بالغربة والخوف من خواء الآتي، يعرض عليه إبنه محمد(جمال الغيلان) الخروج والإنتقال من منزله القديم الى منطقة سكنية حديثة. يرفض العرض بشدة، وتبدأ روحه في التمزق، لتكتمل عقدة الفيلم، ويلتمع بداخله سؤال : كيف سيترك الحيّ الشعبي الذي عاش فيه أجمل أيام حياته مع زوجته وأهل حارته الطيبين؟

تَحمى وتيرة الصراع الداخلي عند جاسم، فلا يجد أمامه سوى الإنتصار لجوانيته الحزينة بأن يظل مترقباً للأمل وللبشرى القادمة مع عودة زوجته (عمرك ما تعرف إن اللي يحب ما يترك محبوبه وبشارة جيتها بتشوفها معلقة على سطح البيت) ٠
يأخذ ثوبها النشل المطرز بخيوط الذهب، كانت ترتديه في مناسبات الأعياد والأفراح، ثم يصعد الى صارية البيت ليعلقه كعلم بحسب العادة المتوارثة، للكناية عن البشارة بقرب عودة الغائب المنتظر. لكن البشارة لم تكن بعودة أم محمد بل بدنوأجله وموته المحتوم

على هذه المحاور رسم فريد رمضان سيناريو الفيلم، متخذاً من الأحياء الشعبية في الجزيرة القديمة مواقعاً للتصوير بما يتلائم مع أجواء القصة وزمنها السردي والإسترجاعي ، متخلصاً ـ السيناريست ـ من كثرة الإكسسوارات البصرية التي لا تخدم الفيلم القصير، فلا مظاهر زائدة تبرهن على العصر، لا حاجة لظهور سيارات وأجهزة ومبان شاهقة ومظاهر مدنية كبيرة ..فقط يركز السيناريوعلى يملأ مخيلة المشاهد بزمن جاسم المفقود، ناهيك عن لقطات غنية بالمكونات البيئة المنسجمة مع موضوع الفيلم لجهة التأكيد على أصالة الحياة البحرينية القديمة والتي تبرق بلونية جمالية آخّاذة أبرزتها حرفية مهندس الإضاءة خالد العميري، خاصة في المشاهد التي تصور تفاصيل البيت من الداخل: اللحظة التي ينفتح فيها الباب قبل دخول أم محمد المتخيل ،يشع الضوء ممتداً على أرضية المجلس، وتشكل ثنائية الضوء والظلال حُلمية المشهد. وفي اللقطة التي تصور ثوب النشل وقد رفرف على الصارية يصعد النور ليبدد الظل عن أزقة الحارة/ الجزيرة، وأثر الشمس يلوح والرياح العاتية تنعكس على ملامح الشخوص، كل هذا يأتي في تكامل بصري مع الديكورات المدروسة من قبل راشد كويتان وفاضل علي٠


لم يغيب عن المخرج تضمين الفيلم بلفتات رمزية بالغة الأهمية : دلة القهوة وملة التمر، البخور، أدوات الشاي، الملابس، المقهى، فرحة الصيد، أصوات السيارات التي تعبر جسر المحرق/البحرين دون أن يراها المشاهد . . في إحدى اللقطات بينما جاسم وصديقه حسين يتبادلان الحوار على ظهر قارب الصيد، يظهر في خلفية الأفق البعيد العلم البحريني في دلالة تومئ ،ربما، الى البشارة بالمستقبل الواعد الذي ينتظر البلاد، تلك الرسالة التبشيرية بالمستقبل بثها الفيلم من ضمن عشرات الرسائل التي عكسها محمد راشد بوعلي بفنية تبتعد عن المباشرة وتترك للصورة حرية التعبير الكاملة بحسب إجتهاد مدير الكاميرا حمد الماجد في إلتقاطها، لتكمل الخفي وغير المفصوح عنه في الحوار الجزيل الذي كتبه فريد رمضان برهافة الشعر وجمالية الأدب :٠
أم محمد: كان لازم آييك.. أنت نَفَسْ البيت، ما يصير أخليك تتعب أكثر.. ولهانه عليك مثل ما أنت ولهان عليّ. اللحين بيغرد ثوب النشل، وبيسمعه كل أهل الفريج.
بدلا من يذهب الأحياء للموتى ، تأتي هي (كان لازم آييك) ، لأنها عرفت الحياة هنا، ولم تعرفها في الزوال ٠
يضع بوعلي بصمته في الحوار بما يكون ركيزة الفيلم الإضافية:٠
جاسم: البيت وآحشني وايد
أم محمد: أنت في البيت
جاسم: أنتي البيت، تعالي، خليني أحط على جروحك دوا، تراني أدري فقدان الضنى صعب، موسهل، تعالي يا سدرة البيت جلسي يمي٠

يترنم بورقبة :٠
من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل
وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل
لوكان بالسِّيفْ قطعت الاعادي وصل ٠

خالد ربيع السيد: ناقد وباحث سينمائي من المملكة العربية السعودية *


Sangue Pazzo الدم الجامح والطموح المخذول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي



------------------------------------------
يفتح الناقد ميسر المسكي النافذة اليوم على فيلم إيطالي
يتعامل ونجمين من الأربعينات وُجداً مذنبين بتهمة القبول
بماسوليني فاشياً٠
------------------------------------------

نحن في الثلاثين من نيسان 1945. منذ خمسة أيام فقط سقطت الدولة الفاشية في إيطاليا التي أستسلمت للحلفاء٠
ولدان مُشردان في أنقاض مدينة ميلانويعثران على شريط سينمائي وبجانبه جثتان لرجل وأمرأة ولوحة صغيرة كـُتبَ عليها: "لقد تم إعدام أوزفالدوفالنتي ولويزا فيريدا"٠

لكن من هما فالنتي وفيريدا؟ للإجابة، علينا بنظرة سريعة إلى تلك الأيام ليكون القاريء الراغب بمشاهدة الفيلم في مناخ الأحداث٠
عام 1943 نَزَلت جيوش الحلفاء على البرّ الإيطالي وأنهارت الحكومة الفاشية في روما وتمّ إعتقال الديكتاتور وسيّد روما السابق بنيتو موسوليني. لكن أدولف هتلر أرسَلَ خيرة وحداته الألمانية الخاصة التي حررت موسوليني من أسره وأعاده إلى شمال إيطاليا حيث ترأسَ جمهورية فاشية صغيرة عاصمتها بلدة سالو الصغيرة. هذه الجمهورية كانت بتمويل الألمان وحمايتهم وحين غادروا شمال إيطاليا بعد عام ونصف أنهارت هذه الجمهورية المسخ وألقي القبض على موسوليني واُعدم مع صديقته وبعض أعوانه٠
جمهورية سالو هذه هي التي أستعارَ بيير باولو بازوليني أسمها لفيلمه المعنون "سالو" المفعم بالعنف السادي الذي أراده بازوليني رمزاً للفاشية. والفيلم أستعاده الناقد هوفيك حبشيان على صفحات هذه المجلة منذ أسابيع٠

حين فرّ الفاشيون إلى جموريتهم في الشمال، رافقهم بعض من خشي من نقمة الثوار وبعض من لم يكن قد أختـَبَرَ العيش إلاّ في ظلّ الفاشيين الذي دامَ حكمهم واحد وعشرين عاماً. من أولئك كان الممثل الشهير وقتها في إيطاليا أوزفالدو فالنتي وصديقته الممثلة والنجمة لويزا فيريدا. فالنتي وفيريدا أرتبَطَ أسمهما بالنظام الفاشي لصداقتهما مع بعض أهمّ رموز ذلك النظام أيام عزّه كما أيام إحتضاره٠

أليسو بوني ومونيكا بيلوشي

يلقي المخرج ماركو توليو جيوردانا في فيلمه "الدم الجامح" نظرة على سيرة الممثلين ونهايتهما المأساوية محاولاً فكّ الإرتباط بين فيريدا وفالنتي وبين النظام الفاشي. جوردانا يحاول ذلك عبرَ تقديم تفسيرات درامية لبعض الأحداث. فما اُشيعَ عن أن فالنتي قد سَاهَمَ في تعذيب المعتقلين الشيوعيين في سجون سالو، يقدّمه جيوردانا هنا على أنه سهرة صاخبة جمعت فالنتي وفيريدا مع ضابط أمن فاشي وحاشيته وقد خرجت السهرة عن السيطرة حين طلبَ فالنتي أن يلقي نظرة على المـُعتقلين في أقبية التعذيب ليصورهم بكاميراه، وهوالذي كان يوثـّق أغلب مراحل حياته على أشرطة سينمائية. كما أن جيوردانا لا يترك فرصة إلاّ ليُظهر سخرية فالنتي من رأس النظام الفاشي، موسوليني. أما فيريدا فقد ربطها جيوردانا بعلاقة ملتبسة مع كونت مثلي جنسياً وعاشق للسينما وكاره للفاشية. شخصية يقول من يعرف سيرة النجمة لويزا فيريدا أنها درامية صرف ولم يكن لها وجود على الواقع٠
الفيلم يبدأ خمسة أيام قبل إستسلام إيطاليا وينتهي أربعة أيام بعدها. تسعة أيام لرواية الهروب الأخير والمستحيل لممثلان نجمان أصطدمت أفلام المغامرات الوهمية التي قدماها على الشاشة بالواقع الدامي لبلد مزقته الديكتاتورية كما الثورة٠
يلجأ جيوردانا إلى الفلاش باك لإستكمال بانوراما سيرة فيريدا وفالنتي منذ صعودهما إلى الشهرة إلى يوم حتفهما برصاص الثوار في خرائب ميلانو الثائرة. لكن المشكلة هي أن الفيلم يفقد زخمه بعد فترة ولا ينفع الفلاش باك الغزير ولا بعض التشويق الذي أضافه المخرج إلى رحلة هروب المـُمثليَن ولا سحر مونيكا بيللوتشي ولابعض الدلالات البصرية اللافتة ولا مَشاهد الجنس الرمزية في دفعه إلى التحرك إلى الأمام.
ورغم أن المادة الروائية الدسمة تسمح بالإنفتاح على إحتمالات كثيرة بصرياً وفكرياً، لكن النصّ المكتوب وفقر الخيال والمعالجة أطاحا بفيلم كان يمكن أن يكون بديعاً في سرد تماهي وإلتباس السينما (الخيال) مع السياسة (الواقع). هذا الإلتباس الذي يودي بنجمين إلى نهاية شكسبيرية في عالم كان يهذي بالعنف٠
يملك الفيلم بعض لحظات البريق من حيث التنفيذ كما الدلالة. فحين يهرع فالنتي للهرب في يومه الأخير يكون عليه الإختيار بين علبة المجوهرات وبين علبة معدنية تحتوي شريط واحد من أفلامه، فيختار الأخير. كما أننا طوال الفيلم نرى فالنتي يحمل علب أفلامه (إرثه البصري) التي تتناثر على درب الهروب وتنتهي إلى علبة واحدة إلى جانب جثته حيث يـَلمّ الشريط السينمائي المهدور طفلان مُشردان٠
عُرضَ الفيلم في مهرجان كان عام 2008 دون أن يحظى بالكثير من الترحيب. لكن في إيطاليا كان له وقع آخر خصوصاً مع صعود اليمين إلى سدّة الحكم هناك٠

لمحة عن لويزا فيريدا وأوزفالدو فالنتي
ولدت لويزا فيريدا (وأسمها الأصلي لويجيا مانفريني) عام 1914. بدأت حياتها المهنية كممثلة مسرح في أدوار ثانوية، ثمّ أنتقلت إلى السينما حيث لعبت أدواراً مساعدة قبل أن يتيح لها جمالها وموهبتها أن تحوزأدواراً أولى كثيرة كان أهمها عام 1936 في فيلم "الصمت الكبير". صعود فيريدا إلى النجومية ترافق زمنياً مع توطيد الفاشيين لسيطرتهم على السينما كما على إيطاليا كلها.
عام 1939 وفيما كانت فيريدا تصّور فيلمها "مغامرة سلفاتوري روزا" ألتقت بأوزفالدو فالنتي (1906 – 1945) والذي كان قد سبقها إلى الشهرة وتطورت علاقتهما وأنجبا ولداً (فيلم الدم الجامح يتصرف في هذه التفصيلة حيث يتم إجهاض الطفل)٠
في الأربعينيات تحولَ كلٌ من فيريدا وفالنتي إلى رمزين لإزدهار الحقبة الفاشية في السينما الإيطالية وتوالت أدوارهما بحيث لعبَ فالنتي في أكثر من ستة وخمسين فيلماً، فيما قامت فيريدا ببطولة سبع وثلاثين فيلماً ونالت جائزة أفضل ممثلة إيطالية في أول الأربعينيات٠
علاقة فالنتي القوية مع رموز السلطة الفاشية وضعته، ومعه فيريدا على لائحة إنتقام الثوار والشيوعيين. في الثامن والعشرين من نيسان 1945 أعتقلَ الشيوعيون موسوليني وصديقته وأعدموهما، وبعد ذلك بيومين وفي الثلاثين من نيسان عام حظي الثوار في مدينة ميلانوبفيريدا وفالنتي، وتمّ إعدامهما فوراً في أحد شوارع المدينة دون أي محاكمة. لويزا فيريدا كانت في الواحد والثلاثين من عمرها وحامل في شهرها الثالث حين أرداها رصاص الثوار٠

ميسر المسكي ناقد سينمائي سوري يكتب مقالاته خصيصاً لهذا الموقع *


Synecdoche, New York
العالم الغريب والشقاء الروحي المرعب لتشارلي كوفمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلال نعيم

فيليب سايمور هوفمان في البطولة

------------------------------------------
ترحب مجلة "ظلال وأشباح" بقلم جديد
ينضم إليها ويكتب خصيصاً. الزميل جلال
نعيم يكتب من لوس أنجيليس عن فيلم تشارلي
كوفمان الجديد الباحث في النفس والذاكرة والمتألّم
حسرة على وجود لا يتوقّف عن التغيّر٠
------------------------------------------

منذ فيلمه الأول
Being John Malkovich (1999) | أن تكون جون مالكوفيتش
وتشارلي كوفمان لا يكف عن محاولة اختراق الحصن، الحصن الذي عجزت كاميرات السينما عن اختراقه، الا باستثناءات نادرة: الا وهو ذهن الإنسان! ولعل أدواته، ككاتب، قد شحذت جيدا عبر افلامه
Human Nature (2001) | " طبيعة بشرية
Confession of a Dangerous Mind (2002) | اعترافات عقل خطير
Adaptation | (2002) اقتباس
Eternal Sunshine of the Spotless Mind (إشراقة أبدية لعقل نظيف | (2004

ولعل هذه التحصيلة العميقة من الأفلام وضوحا، أكثر عمقا، وأعنف حضورا في الذاكرة! هو ما قاده الى صنع فيلم جديد أكثر توجهاً هو
Synecdoche, New York

حكى "اقتباس" قصّة كاتب سيناريو يريد ان يؤلف فيلما عن الزهور وأمام رفض شركات الانتاج لهكذا موضوع في هوليوود يلجأ الى أخيه المغرم بأفلام القتل والمطاردات ليضيف له من عندياته ويخضب فيلمه بالدم. وقد أوهم كوفمان حينها الجميع، بمن فيهم أعضاء أكاديمية الأوسكار بشخصية أخيه التوأم المختلقة من عندياته، وللعب بتجاريات هوليوود ربما وضع اسم اخيه المختلق ككاتب مساعد وكمشارك في كتابة السيناريو وحصل كليهما على ترشيح للأوسكار وكأنه شخصية فعلية٠
يستعير هذا الاسم الغريب واقعية لها وجودها الحقيقي، وهو شيء له دلالته، فهو في هذا الفيلم
Synecdoche
والذي يعني باليونانية "الفهم المتوازي او المزدوج" ، او ما يعطي معنيين مختلفين في الوقت نفسه! ووضعها في مقدمة الفيلم وكأنها توطئة لكشف حالة التوازي. بان لا يغيب عن بالنا بان ذلك يأتي بعد سرد التكامل ما بين الواقع والخيال.. ولكن يجب على الحقيقة المرة أن تحتفظ بانفصالها، ومن ثم تداخلها مع نسيج الفيلم، والتي جاءت على وفيها شكل فيلم قصير مصور بطريقة الابعاد الثلاثة يروي واقعة غزو بيروت عام 1982 يعبر عن المفارقة الكبيرة في أنه كلما أراد استعادة ذاكرته وجد نفسه يبحث عن أناس لا يمكن نسيانهم.. وهو ما يمكن قراءته بان الواقع يضغط على الذاكرة حتى يسحب منها فتيل المخيلة وبالتالي تبقى الاشياء والكائنات المفروضة عليها.. ولعل هذا ما يفسر القسوة والحزن الذي يحيك خيوط هذه القصة/الفيلم!٠

من هو "كادن كوتارد"؟
هو رجل بلا ذاكرة، كما تقترح المقدمة. مخرج مسرحي ناجح، وكثمرة لنجاحه يحصل على المسرح الضخم في مدينة المعاني المزدوجة الذي لا يريد تقديم ليس حلم حياته فيها، ربما لأنه بلا ذاكرة وبلا مخيلة، وإنما يرغب في وضع اسقاطاته فيها، او الكائنات التي تضغط عليه، والتي لا يمكن نسيانها، لذا يسطر جيشا يتنامى من الممثلين، "ليس فيهم كومبارسا واحدا" كما يعلن دائما، لأن كل منهم يؤدي دورا اثر فيه، وله كيانه الخاص به. فالعالم فيه مليارات من البشر / الأبطال وليس فيهم كومبارس واحد٠
هو عالمه اذاً، نعم لأنه فرض عليه.. هكذا يعرف شخصياته، او ترتسم أمامه، تتوسل اليه بأن يكون كما كان أكثر من عشرين عاما مضت. يرسم شخصيات لأنه يخرج مسرحية في مسرح بلا جدران عبر زمن يتسلل الى رأسه وحياته حيث تهجره زوجته الى حبيبة لها في المانيا بعد ان تقيم معرضا هناك لصور حياتهما والناس المحيطين بهما ولكن على شكل صور صغيرة لاترى الا بعدسات مكبرة. وتأخذ معها ابنته الصغيرة التي يظل يتصور بأنها لم تغادر الرابعة حتى بعد ان يراها وقد تحولت الى عارضة وشم على جسدها العاري. يراها من وراء زجاج العرض، يصرخ فيها ولكن لاتبالي او لا تسمع، حتى يأتي أمن المترجم المعرض ليسحلوه خارجا.. ثم تموت بعد سنوات، يراها وهي تحتضر، يتحادثان عبر الآلي ويعرف بانها تحتضر لأن زهور الوشم (التاتو) على جسدها بدأت تذبل.. ينتحب أكثر من مرة ولكن بصمت٠

ممارسة الجنس مع اية امرأة وخاصة عشيقته تستدر دموعه. شقاء روحي مرعب. وأناس يدفنون، بينما مسرحيته تنمو وتتشعب، الشخوص التي خلقها، والتي فرضت نفسها اصلا بحكم الواقع المفروض، أشدد، وليس الذاكرة، يتنامون ويخلقون شخوصا أخرى تشبههم، وتؤدي أدوارهم، تناسل من نوع غريب لا يشبهه غير الرحيل المتكرر لأبيه وأمه ومن ثم عشيقته.. الزمن يجري ولا يسرطن غير أمراضه وكوارثه الداخلية العميقة.. نسيج غريب، الشيخ الذي كان يراقبه على مدى عشرين وكأنك تفرش أعماقك في الشارع مثل غسيل.. سامي عاما كظل او كشبح يدخل الحلبة، حلبة المسرح الذي تنمو فيه الشخصيات مثل أعشاب ضارة يلقي بنفسه من أعلى المخازن الكبيرة ثم سرعان ما يتطوع بدله بديل آخر.. ثم يحدث ما هو أخطر: فعندما تنفرط من أصابعه شخوص مسرحيته التي لم يؤلفها أصلا، وينشغل هو باستمتاع بتنظيف شقة زوجته التي عادت من المانيا بعد أعوام، وحال عثوره على عنوانها يذهب اليها وبينما هو يطرق الباب تتقدم منه عجوز تسأله ان كان الأن وتعطيه مفتاح شقة زوجته التي يدخلها بقدسية نادرة يقلب اشياءها ويعثر على رسالة قصيرة منها لألن توجهه في الذي يستمتع به كثيرا، فتنخلق عنده شخصية مرادفة لشخصية عثر رآها عملية التنظيف في احدى صور زوجته السابقة، فتأخذ الدور العجوز بالملامح الصينية، وبعد وفاة عشيقته، التي قضت حياتها محاطة بحريق لا ينتهي ولا يخمد في بيتها، فتتقدم العجوز الصينية لتأدية دورها الذي تقرأه بغرابة وعمق، ثم تبدأ بالاستيلاء على ادارة المسرحية مكانه، وتعطيه لاقطا صوتيا ليردد ما يريد قوله ويستسلم لها طائعا لأنه تعب من تأليف دوره وراح يستسلم لقدره الغائب والذي يحيط به من كل شخصياته التي لا ارادة له الآن على رفضها أو تغييرها او زوجته التي باتت متهالكة وقديمة يسمع تحويل مساراتها وبينما هو مستسلم لقدره في شقة أصوات انفجارات وحربا اخرى ترج الأرض، يهبط بعدها على مهله بينما العجوز الصينية تقرأ في أذنه تداعياته وكأنها هو او وكأنه هي، لم يعد هنالك فرق.. يدور بين الخراب والحرائق والجثث.. يسأل المرأة الوحيدة المتبقية ان كان يعرفها فتدله على دورها.. يجلسان على اريكة ويخبرها بانه قد أوغل بالشيخوخة ولم يذكر شيئا، تلقنه العجوز ذات الملامح الصينية بأن يطلب منها ان يضع رأسه على كتفها فيفعل.. ترتفع حدة البياض في المشهد ونسمع العجوز الصينية تأمره بأن يموت!٠

إيما تومسون
يموت "كادن كوتارد" ويترك لنا سؤالا كبيرا عن من هو "كادن كوتارد" ثم سرعان ما ينحرف ذيل السؤال لتجد نفسك تسأل " من أنا؟
يقول ناقد سينمائي أمريكي بانه شاهد الفيلم أول مرة في مهرجان كان، ولأول مرة في حياته وجد نفسه يتسلل وحيدا الى بار.. ويشرب الوسكي حتى الصباح!

لعلها الطريقة الوحيدة لمشاهدة هذا الفيلم، لأنه عندها، أو بعدها، سيصبح فيلمك الخاص الذي لن يشاهده أحد غيرك!٠

أنه "شارلي كوفمان" الذي حضر في فلمنا هذا مؤلفا ومخرجا ومساهما في وضع الموسيقى ليلغي الحواجز ما بين السينما والمسرح والمخيلة والذاكرة ورؤوسنا وأذهاننا.. وتمكن من الوصول الى ما يصعب علينا التكهن بوجوده!٠


جلال نعيم: ناقد سينمائي من العراق يعيش في لوس أنجيليس٠


مقابلات

أنطونيو بانديراس يتحدث عن نظرته الى هوليوود وطموحاته الضائعة بين قارّتين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



-----------------------------------
خلال تواجد الزميل هوڤيك حبشيان في مهرجان كارلوڤي
ڤاري، التقى بالممثل الأسباني أنطونيو بانديراس الذي
الذي تحدّث عن كل شيء من تشي غيفارا الى فيلمه المقبل
والسوق الأسبانية المحدودة رغم أربعمئة مليون ناطق
باللاتينية حول العالم٠
-----------------------------------

يُعتبر الممثل الأسباني انطونيو بانديراس (مواليد ملقة، 1960) أحد نجوم السينما الهوليوودية المنتشرة بوفرة والتي تنهش الأخضر واليابس في أرجاء المعمورة. مع ذلك، هناك في عقل هذا الممثل اللاتيني، رمز الاغراء والذكورية اللاتينية، طموح يتخطى التربع العابر على عرش شبّاك التذاكر. فأوروبيته الصارخة والكاملة، كانت لا بد ان تسود على هويته المكتسبة في هوليوود، عاجلاً أو آجلاً، وسط هذا الكمّ من النجوم الاميركيين الذين يمضون اعمارهم امام الكاميرا من دون أن يفكروا، ولو لمرة، ان يمروا خلفها. لكن عند هذه الطينة من الممثلين كثيراً ما يغلب الطبع على التطبع. لذا، كان طبيعياً أن تظهر عنده رغبة متنامية، منذ سنوات، لإنجاز سينما تعبّر عن هواجسه بعيداً من خدمة مصنع "الانترتنمنت" الذي ذاع صيته من خلاله. واذا بدا نجاحه نسبياً في باكورته٠ فالآفاق تتوسع أمامه مع قيامه بإخراج »طريق الإنكليز« الذي يعود به الى أيام الصباً في الأندلس زمن فرانكو. وهو ثالث فيلم من إخراجه بعد »كرايزي في ألاباما« (1999 ) و»مطر صيفي« (2006- وحققه في اسبانيا ايضاً)٠

هذه النجومية كلها نشأت مع دور صغير عند بيدرو ألمادوفار قبل 27 عاماً في فيلم متاهات الشغف" لكن »فيتشية« المخرج الأسباني وتعلقه المعروف بممثليه، إضافة الى موهبة الشاب أنطونيو، جعلت التعاون يمتد على خمسة أفلام، ويتبلور تصاعدياً حتى البطولة المطلقة في أفلام مثل ماتادور" و"اربطني" و"نساء على حافة الانهيار العصبي"٠
واذا " كان تأثير المودوفار فيه مهنياً وانسانياً، في اعوام البدايات تلك، فآخرون ايضاً ساهموا في خروج بانديراس الى الضوء، بعدما كان يحلم ان يكون لاعب كرة قدم، ومنهم كارلوس ساورا وخوسيه لويس غارثيا سانشيز٠

في منتصف الثمانينات، انهالت العروض على بانديراس. وبين عامي 1986 و1990 أفلام أسبانية كثيرة له معظمها لم يُصنع ليبقى. أما تبني السينما الأميركية له فجاء من طريق المصادفة. خلال حملة دعائية في أميركا لأحد أفلام المودوفار في أواخر الثمانينات. وبدأت حكايته معها، من خلال فيلم »مامبو كينغز« لأرنولد غليمشر (1991)، ثم كرّت سبحة مجموعة أعمال فيها الطالح والصالح٠
في تلك المرحلة لم يكن يتكلم الانكليزية بعد، فتعلم نصوصه سمعياً، وصار ينتقل من فيلم أوروبي الى أميركي فأسباني. منذ البداية، صنّفته هوليوود "عشيقاً لاتينياً" امتداداً لتراث قديم يعود الفضل في تأسيسه الى الراحل الكبير رودولف فالانتينو، منذ عهد السينما الصامتة). في البداية وظّف هذا الاتيكيت لمصلحته من اجل الشهرة، ثم استطاع ان يعطّل هذا التنميط نسبياً مذ تعاون مع سينمائيين اكثر جدية أمثال جوناثان ديمي، نايل جوردان وبيل أوغست. وفي حين اطلقه "ديسبيرادو" لرفيقه روبرتو رودريغيز و"مجرمون" لريتشارد دونر، الى جمهور اوسع وأقل تطلباً، كان نصيبه ان يتعرف الى ابنة الممثلة تيبي هادرين، أي ميلاني غريفيث، في موقع تصوير احد الأفلام، فتزوجا، الأمر الذي حتّم عليه البقاء في "وطنه" الجديد، تحديداً في لوس أنجلس، حيث تُبرَم العقود وتناقَش السينما في تجلياتها كلها٠
نتيجة هذا الاغتراب، بات انتاجه محصوراً في الأفلام الهوليوودية الضخمة، فبلغ الذروة مع ميوزيكال ألان باركر افيتا" وفيلم محض تجاري لمارتن كامبل، "قناع زورو". عملان " وضعاه على عرش اكثر الرجال اثارة جنسية في العالم. لكن مع بلوغه الأربعين بدأ قلب بانديراس يهتف لشيء آخر هو الاخراج، فكان "كرايزي في الاباما"، حيث أدار زوجته ميلاني غريفيث في واحد من اهم ادوارها.
في الألفية الجديدة، غرق بانديراس في معمعة الأفلام التجارية، مع بعض القفزات النادرة الى المسرح ("تسعة" على خشبة برودواي) الذي صنعه في بداياته ممثلاً جاداً. طبعاً لم يبق هو النجم الذي كانه في اواسط التسعينات، بعدما اكلته هوليوود لحماً ورمته عظاماً، ولأن العمر، هو الآخر، لم يعد يسعفه لأدوار الـ"جون برومييه". واليوم، "طريق الانكليز" محاولة للملمة الأشياء الخاصة، بعدما أدرك صاحبه ان الشهرة لا تدوم، وخصوصاً في هوليوود حيث كل شيء قابل للتصنيف، للبيع والشراء. ، 44في مهرجان كارلوفي فاري، الذي اختتمت قبل ايام دورته الـ أتيحت لـ"النهار" الفرصة لمقابلة بانديراس، في توقيت حاسم من مساره؛ زمن التغيير والنضج والعودة الى الينبوع...٠

مع كاثرين زيتا جونز في "علامة زورو"٠

 ليست هذه المرة الاولى تزور فيها كارلوفي فاري، أليس كذلك؟
ـــ نعم، سبق ان كنت هنا. لا احد يتذكر ذلك (ضحك). كان ذلك عام 1992. كنا نصوّر مسلسلاً تلفزيونياً من انتاج ايطالي والماني مع مشاركة لإحدى القنوات الاسبانية. كان المسلسل يروي فصولاً من حياة موسوليني شاباً. ما كان يهمّني فيه أن موسوليني كان اشتراكياً قبل أن يكون فاشياً. لم أكن اعرف ذلك، واعتقد ان كثيرين مثلي لا يعرفونه ايضاً. لذا كان الفيلم يضيء على هذا الجانب. آنذاك بقيت في جمهورية تشيكيا فترة غير قليلة: امضيت نحو سبعة اشهر في براغ، واسبوعين هنا، وكنا ايضاً في امكنة مجاورة، منها تيوسن، بهدف التصوير. كانت تجربة غنية، احببتها كثيراً. آنذاك ذكّرتني البلاد، في طريقة ما، بما عشته قبل سنوات في اسبانيا، أي 1975 ، عندما مات فرنكو، وسلكت بلادنا درب التغيير. شاهدت حالة مشابهة لحالتنا في منتصف السبعينات. كان مرّ على سقوط الجدار ثلاث سنوات، حين جئت الى هنا، ولكن رأيت هذه الديناميكية غير المسبوقة، وهي كانت شيئا ألفناه نحن الاسبان. الآن اشعر برضا كبير لعودتي الى هنا بعد 17عاماً، واعادة اكتشاف البلاد ومعرفة أن أحلاما كثيرة من التي كان التشيكيون يداعبونها قد حققت. تبقى أشياء كثيرة للتغيير، وهذه حال العالم أجمع، لكن على الاقل هناك حراك، وتوجه نحو الأفضل٠

 لكن أنت تعرف جيداً هذه المنطقة (اوروبا
الوسطى)، لقد صوّرت فيها قبل سنوات "لا تتكلم
أبداً مع الغرباء" (بيتر هال - 1995 )، أليس كذلك؟
ـــ لا، بل صوّر هذا الفيلم في تورونتو. أي في مكان بعيد جداً عن بودابست (ضحك). صدّقني كان هناك! لكن سبق أن ذهبت الى بودابست، واتذكر انني قلت لزوجتي إنها شبيهة ببراغ لكن حجمها أكبر. كنا نشعر ان ثمة ثقافة تنهض عليها المدينتان. هي لا شك ثقافة أوروبا الوسطى التي نتلمسها في هذه البلدان. شعرت بها ايضاً عندما كنت العام الماضي في صوفيا بلغاريا)، للمشاركة في فيلم جديد مع مورغان فريمان ("الرمز"،( من إخراج ميمي ليدر). لديّ صديق منتج، كان سبق أن عمل على انتاج "افيتا"، اليوم ترك هوليوود للاستقرار في بودابست حيث ينتج أفلاما من السلسلة باء ٠

 ما دمنا نتحدث عن "افيتا"، ما رأيك بشخصية
تشي غيفارا التي لعبها بينيتشيو ديل تورو في
فيلم ستيفن سادربرغ، كونك جسدتها انت ايضاً
في فيلم باركر؟
ـــ على النحو الذي انجز فيه "افيتا"، كان من الطبيعي أن تعتبر الشخصية التي ألعبها مستلهمة من تشي غيفارا. لكني اتذكر الحديث الاول الذي دار بيني وبين باركر قبل البدء بالتصوير، اذ قال لي: "إنسَ امر تشي غيفارا. انت فقط تشي". كان يريدني ان اتخيله ممثلاً في المسرح الروماني يوجه الحضور الى حيث يريد من دون ان يمنحهم المفاتيح. وقال لي ايضاً: "انت تجسد الناس". كان يريدني أن أكون "وجهة النظر النقدية" في الفيلم. وعندما تغنّي افيتا "أرجنتينا، لا تبكي من أجلي"، نراه يوزع المحارم على الناس قائلاً لهم: "لا تبالغوا في البكاء، فلا حاجة الى ذلك، وسأريكم وجهاً آخر عنها لا تعرفونه". لكن الجانب المناضل من تشي وضعناه على حدة. اتذكر عندما حضرت الى الاستوديو في لندن في اول يوم تصوير، كنت وضعت لحية اصطناعية (ضحك). اقترحت عليهم أن اضع قبعة (بيريه) وأكون كما يكون الممثلون على خشبة المسرح. قال لي باركر: "اياك أن تفعل ذلك. فلا يتناسب مع رؤيتي. المسرح شيء والسينما شيء آخر. انهما نوعان مختلفان من الفنون. وما يصلح للخشبة لا يصلح للكاميرا. في السينما نحاول ان نكون أكثر واقعية. لكن، مما لا شك فيه ان شخصية غيفارا سينمائية بامتياز. وهو آخر الابطال في مجتمعاتنا الحديثة. كعمل تمثيلي، احدث بينيتشيو، وهو صديقي، انجازاً رائعاً. لكن لم ترضني الحبكة. كما انه كان مبالغاً في طوله وفي الاعجاب الذي يكنّه لشخصية غيفارا. ارى ان هناك لحظات مفقودة. لو كنت مخرجاً لكنت ركّزت على الوقائع٠

 في إخراجك الجديد، "طريق الانكليز"، تعود الى
الجذور الاسبانية من خلال مجموعة شبان اسبان
في سبعينات القرن الفائت، علماً انك من ملقة
والقصة التي تحكيها تدور حوادثها في
الاندلس. ما مدى اهمية ان تعود الى هذا النطاق
الضيق (والواسع ايضاً لم لا؟) بالنسبة الى فنان
حقق ما حققه خلف الاطلسي؟
ـــ اهميته نسبية. ربما لا تكون هذه العودة مهمة بالنسبة الى غيري لكنها مهمة لي. انجزت الفيلم بهذه العقلية. انه عمل شبه تجريبي. قلت لنفسي: "أوكي، عليك يا انطونيو أن تجد شخصيتك ونفسك كمخرج". من اجل أن ابلغ تلك الغاية، كان عليَّ أن احطم بعض القواعد، واخطو خطوة الى منطقة مجهولة. لذا، وقع اختياري على هذه الرواية التي كتبها صديق مقرّب لي، تشاركت وإياه هذه الفترة من حياتنا، وهي حافلة ومملوءة بالعنف والمعارك والحزن، ولا تزال في ذاكرتينا نحن الاثنين، هذا ما يجب أن يكون عليه كل فيلم. في النهاية، انه فيلم عن الذكريات. تلك التي صنعتني وصنعت الكاتب وصنعت كثيرين. انطلق فيه من الاحاسيس، وليس من معطيات موثوق بها ونهائية. كل ما اريه قد يكون محل جدال أو أخذ وردّ. لا انطلق من قاعدة "هذا ما حصل"، الى حدّ انك تستطيع اعتباره فيلماً "مفتوحاً" او غير منتهٍ. لا ادّعي ذلك، وليست تلك السينما التي اريدها. فهذا الحديث الذي أجريه معك الآن هنا، قد اتذكره بعد فترة طويلة، لكن لن أتذكر ما قلته، ولن اتذكر ان هناك هذه الكأس، أو كيف كانت خامة صوتك. لذا حاولت العودة الى مكان حيث المادة ملتبسة. عملي كمخرج هو الدخول في تلك المعمعة والخروج منها بأسئلة سوية. انا، كسينمائي، حاولت البحث عن أجوبة تماماً مثلما الشخصيات تبحث عنها، ولكن ايضاً بالطريقة نفسها التي تبحث بها عنها. اذاً، كان فيلمي هذا بمنزلة امتحان. وهو شيء ما كان في امكاني انجازه في هوليوود (يقولها بحسرة). ولو اقترحتُ عليهم مثل هذا المشروع التجريبي، لكانوا رموني من نافذة مكتب احد المنتجين، بعد أن أكون تلقيت ركلة على مؤخرتي (ضحك). حالياً، الكثير من السينمائيين يأتون من الفيديو كليب. افلامهم سريعة التقطيع وعدوانية. أما أنا فأردت أن تكون لفيلمي نغمة. استطيع أن اقول اني بحثت من خلاله عن ذاتي مخرجاً. وأيضاً عن لغتي السينمائية التي تتضمن بحثاً عن العدسات والألوان وكل ما يشبه ذلك. آمل ان اصل الى تطوير هذه التجربة، علماً ان الفيلم المقبل سيكون أكثر "انفتاحاً" على الجمهور ولن يكون على هذا القدر من القسوة.

 ما الذي افتقدته من السينما الأسبانية خلال
وجودك في الولايات المتحدة؟
ـــ لا افتقد شيئاً (...). مرّت فترة في حياتي اعتُبرت فيها ممثلاً مستقلاً. لكن مهنتنا تخدم وظائف عدة. الانغلاق خطأ. يمكنك التمرد على القيود المفروضة عليك، لكن ليس في وسعك أن تفعل ذلك الاّ لفترة وجيزة. مع المودوفار، كنا ننجز أفلاماً تنتمي الى سينما الاندرغراوند ونحرص على عدم مراعاة الأصول. كنا نشارك في المهرجانات ونصبح مادة للمناقشة. منهم من يؤيد ومنهم من يعارض. ترى الناس ينقسمون حول فيلم. هذا يقول عنه جيد، وآخر يرى العكس، وتدور المناقشة والجدال. ثم قفزت الى اميركا ودخلت المصنع الكبير وعالم الانترتنمنت الذي أقل ما نستطيع القول فيه انه مختلف. المشكلة هناك انهم يصنّفونك. هذا هو النمط الاميركي في التعامل مع الاشياء. اذا صنّفوك في خانة ما، فعليك ان تكون ما صنّفوك به. قال لي انني "عشيق لاتيني". وهذا ما يعوق تحرك الممثل والقفز من نوع الى آخر. فكيف يمكنك أن تكون بطلاً في فيلم اكشن وانت من المفترض ان تكون عاشقاً رومنطيقياً. فما بالك اذا اردت ان تكون ممثلاً تنمّ خياراته عن ثقافة ما. الكثير من الممثلين يعانون ازمات جراء هذه المسألة. لكن لحسن الحظ، استطعت على رغم ذلك أن أكسر الأغلال وانوّع خياراتي: لي أفلام رعب وحركة وميوزيكال وسياسة او اجتماع مثل "فيلاديلفيا". خضت كذلك مجال التحريك واخرجت فيلمي الاول ثم الثاني، وهذا لم يمنعني من أداء دور مسرحي في برودواي! الى هذا كله، أسست شركة انتاج في جنوب اسبانيا نمول من خلالها افلام تحريك وندعم سينمائيين جدداً في تجاربهم الاولى. هذا نشاط يسرّني فعلاً، اذ تغمرني السعادة حين اعطي غيري ما كنت في حاجة اليه في شبابي ولم املكه. في الوقت نفسه اسعى الى انجاز افلامي الخاصة. لكنه مشروع على مدى طويل وصعب، وخصوصاً الآن مع ظهور هذه الازمة الاقتصادية التي جاءتنا على حين غرة، ولا نعرف الى أين تقودنا. اليوم، بات من المستحيل أن تحصل على فلس واحد من مصرف. حتى لو ذهبت اليهم حاملاً ورقة من وزارة الثقافة تدعمك بـ 250 ألف أورو، فالجواب قاطع: "لا نأبه. لن نعطيك المال". لذا، نستطيع وصف وضعنا بالمزري الآن. على رغم ذلك، نبدأ في تشرين الثاني تصوير فيلم لمخرج جديد تدور حوادثه في بلدان عربية، وهذا الفيلم يجب انجازه مع العرب. ذهبت الى قطر والسعودية والامارات وطرقت باب الملكة نور. فأنا أحتاج الى كل من يستطيع مساندتي في هذا المشروع عربياً. أملي كبير٠

Once upon A Time In Mexico

نمطك التمثيلي ليس اوروبياً وليس "اكتورز
استوديو". لديك  طريقة ما في التعبير عن
الشخصية. لكن هل يمكن القول انك وجدت
اسلوبك الخاص؟
ـــ في الواقع، تابعت دروس معهد الفن التمثيلي الوطني في ملقة. ثم تمرست بالعمل التطبيقي في افلام كثيرة. اليوم، لا اعتقد ان من الممكن البقاء على منهجية واحدة. لسبب بسيط ان عليك العمل مع انواع مختلفة من المخرجين، وكلٌّ منهم يأخذك في اتجاه خاص برؤياه وتطلعه. الامر يتعلق ايضاً بالممثلين الذين تتشارك واياهم الفيلم. أحياناً تحاول ان تمشي على خطى المعلمين من الـ"أكتورز استوديو"، ولكن سرعان ما تجد ان المسألة لا تلائمك وعليك في أسرع طريقة العودة الى الرؤية الخاصة بك، قبل ان تتحول المسألة الى مضيعة للوقت. لذا، عليك ان تتأقلم مع الوسط المهني بطريقة او بأخرى، وأيضاً ان تستجيب ما يُطلب منك. احياناً ترى انك اضطلعت بدور ما جيداً، لأنك كنت تملك متسعا من الوقت ولأن التعامل بينك وبين المخرج كان ايجابياً. لذا، تحاول أن تجعل الامور تتلاقى لا أن تتصادم. في مرحلة سابقة من حياتي، واكلمك عن زمن بعيد، كان عليّ أن استعين بهذه الالاعيب كافة، واستعين بمدارس تمثيلية مختلفة. ثم قفزت الى عالم مختلف تماماً له قواعده. اليوم، اشعر ان عليَّ الذهاب في اتجاه آخر، وما قمت به في "طريق الانكليز" هو ترجمة لهذه الرغبة. ما اريده الآن هو ايجاد جسر بين عالمين: اوروبا واميركا. ويجب الا نخطئ في التقويم: فهناك ما يُصنع في هوليوود وما يُصنع على هامش هوليوود. كل واحد مختلف عن الآخر. هناك سينما مستقلة جديرة بالاحترام، وتخاطب تقريباً ما نخاطبه نحن الاوروبيين في سينمانا، لكن مع فرق واحد، ان هذه الافلام لا تستعين بأموال عامة. أموال السينما الاميركية المستقلة مصادرها مختلفة وعالمية. قد تأتي من اسرائيل مثلما قد تأتي من اليابان. هذا كله يأتي الى هوليوود، لأنها اشبه بماركة. ولا يهم من اين يأتي، طالما انه يأتي. فالفيلم الذي تشاركت بطولته مع مورغان فريمان هو من تمويل اسرائيلي. الشركة هي "ميلينيوم" وصاحبها المعروف جداً أفي لرنر تترجح انتاجاته بين المستقل وافلام الـ"مايجرز". اعمل ايضاً على فيلم تمويله محض اسباني لكن فريق العمل انتقل من أجله الى هوليوود. اذاً، هوليوود تنام على شبكة احتمالات تمويلية تبدأ ولا تنتهي. أما العمل في نظام الاستوديوات، فهذه حكاية أخرى. هؤلاء لهم بنيتهم الخاصة. "زورو" و"افيتا" وكل الافلام التي مثلت فيها هي افلام استوديوات، ولها اطر خاصة لا تزيح عنها، كما عندها الكثير من المال لإنفاقه يميناً وشمالاً، بحيث ان نصف موازنته، نحو خمسين مليون دولار، تنفق أحياناً على الحملة نحو الدعائية. اليوم، اسمع الكثير من الممثلين يقولون انهم يريدون ان يكونوا اكثر عالمية. في الامس قابلت جون مالكوفيتش الذي، بحسب ما قال لي، لا يعرف اذا كان من الممكن اعتباره ممثلاً أميركياً. وقال: اعيش في باريس، واعمل في ايطاليا أحياناً واذهب الى اسبانيا واصعد على خشبة المسرح في المكسيك. وازور انحاء العالم. فهذه هي العولمة في السينما (ضحك)٠

 بين كل هذه القبعات التي تضعها على رأسك، أي
واحدة منها تليق اكثر بتطلعاتك؟
ـــ المكان الذي ارى نفسي فيه هو المكان حيث أجد مادة تثيرني. قد تكون مادة للاخراج او للتمثيل او للانتاج. وقد تكون هذه المادة المسرح. لكن لا استطيع ان اقول لك شيئاً محدداً. لو سألتني أين تفضل الاقامة؟"، أو "أين تحب أن تنوجد جسدياً؟"، فسأقول " لك "أسبانيا". لكن هذه ليست القضية. ربما الافضل ان أجيبك قائلاً ان المكان الافضل لي هو حيث أُمنَح امكان أن افعل ما يلائم ذوقي وحاجتي الفنية. أيضاً؛ لا مانع عندي أن ارد على سؤالك قائلاً: "المكان الأكثر راحة لي أن اقبض راتباً قدره عشرة ملايين دولار للتمثيل في فيلم استوديو، وارى صوري على ملصقات موزعة في كل انحاء العالم. لا مانع عندي ان اقول لك مثل هذا الكلام، لأن من الممكن أن يكون هذا المكان مكاني أيضاً. لأكن صريحاً معك: فيلم مثل "زورو" مثلاً، لا يمكنك الاّ ان تقدمه كفيلم ينتمي الى السلسلة باء. انه فيلم مغامرات مشغول على نحو جيد ويليق بكل افراد العائلة، خلف المشروع شخص اسمه ستيفن سبيلبرغ، وايضاً تتلقى عليه ردود افعال جيدة، لكن الامر ينتهي عند هذا الحدّ. في المقابل، يكون هناك فيلم لألمودوفار، وأنا احب الاثنين. ولي مكان مريح في كليهما. لذا، التخصص والبقاء في حالة جامدة ليس ممكناً. في النهاية، هذه هي فلسفة مهنتنا: التغيير والتحول والذهاب من نقطة الى أخرى. وأنا اريد ان أبقى في منتصف هذا الطريق٠

Femme Fatale

ماذا عن تعاونك الجديد مع المودوفار الذي سيجمعك
مع * بينيلوبي كروز للمرة الاولى في فيلم عن طبيب
جراح ينتقم من مغتصب ابنته بخطفه وتحويله امرأة؟
ـــ لا اعرف. أود ذلك. لن ارفع السماعة وأقول لأيّ كان "أريد ان أكون في هذا الفيلم". اذا ارادني يجدني. ما استطيع قوله إن علاقتي به جيدة جداً، وفي السنة الماضية تسلمت جائزة تكريمية من يده في مهرجان سان سيباستيان. هو اصر على اعطائي الجائزة بنفسه. نحن نعرف أحدنا الآخر منذ سنوات طويلة، منذ بداية الثمانينات، مسارنا التقى ثم افترق. تحدثنا قليلاً حين التقينا، وكنا متحمسين، لكن ينبغي ان يكون في حوزته مادة يعتبرها تليق بي. حينذاك نرى.

 كيف تأثرتم اليوم بالأزمة العالمية الحاصلة؟
ـــ في الحقيقة، الطبقة الكادحة هي التي تأثرت. تذهب الى الميسورين الذين يعيشون في شقق فخمة في مانهاتن او سانترال بارك، فتجد انهم لا يشعرون بفرق كبير. كان لأحدهم خمسين مليون دولار. اليوم لديه 25 مليونا. حسناً! (ضحك). أما الاستوديوات الكبيرة، فنعم، هي في معاناة وقلق، لكن ذلك نسبي ومعقول مقارنة بالمشكلة التي تواجه السينما الأوروبية. هنا المشكلة كبيرة. اولاً لأننا لا نملك سوقا واحدة؛ من موسكو الى مدريد نحن نتكلم ستة عشر لغة مختلفة. نحن في أوروبا نشكل 300 مليون مشاهد، أي عدد سكان الولايات المتحدة، لكن متفرقين، لذا لا نستطيع منافستهم. تخيل أن عدد الذين يتكلمون اللغة الأسبانية 450 مليون مواطن. اذاً، هناك سوق محتملة في العالم لهم. لكن لا أحد استثمرها بعد على ما يبدو. لدينا الكثير لنتعلمه من نظام الاستوديوات في اميركا، واذا كان نظامهم هو الحل الامثل لسينما يمكن ان تخاطب هذا الكم ّمن الناطقين بالاسبانية، فليكن! وليكن مكان استوديوهاتنا في هوليوود. مصدره هوليوود لكن الهوية اسبانية. لا اقول ان المسألة سهلة. عليك أولاً ان تجمع كل التلفزيونات الناطقة بالاسبانية، ولكن سرعان ما ستقع في مشكلة العثور على موزعين، وكما تعلم فهؤلاء كلهم متعاقدون مع الاستوديوات الهوليوودية الكبرى. الا اذا أسسنا شركات توزيع خاصة بنا. طبعاً هذا مشروع كبير وعلى قدر كبير من المجازفة. لكن حتى الآن لم أجد مغامراً يقول: "هيا بنا، وَلْنَرَ اين نصل". اذا تبنى احدهم المشروع فأنا أضمن انه سيكون ناجحاً (ضحك)٠

الناقد هوڤيك حبشيان يكتب المادة النقدية لصحيفة "النهار" اللبنانية *

تحقيقات
وداعاً للممثل البشر ٠٠٠
نجوم السينما الجدد: بايبي دوينوصورات و عمالقة من حديد
٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

Transformers 2
-----------------------------------
نظرة على ما راج من أفلام أميركية في الأسابيع
القليلة الماضية تكشف هوَس تلك السينما وجمهورها
بالكرتون والكوميكس وكل شيء غير بشري٠
-----------------------------------

معارك موسم الصيف لا زالت مستمرّة وهي تشبه صراع العمالقة وآخر فصولها ما حدث في مطلع هذا الأسبوع حين حط على الشاشات فيلم كرتوني جديد أسمه »عصر الجليد: فجر الدينوصورات« مسلّح بنظام الأبعاد الثلاثة وبشخصيات من المخلوقات ذات الملامح النافرة، وحاول احتلال المركز الأول٠
أبطاله هم دينوصورات صغيرة وحيوانات من الثديّات التي كنا نرى صورها في الموسوعات فقط٠

تلك المحاولة نجحت في اليوم الأول والثاني من الأسبوع، ما جعل الفيلم الذي كان احتل المقدّمة في الأسبوع الماضي ، وهو »ترانسفورمرز 2« يتراجع للثاني. لكن الغريب هو أن المخلوقات التي في هذا الفيلم، وهي من صلب وحديد وإلكترونيات عزّ أن تخسر المجابهة أمام الحيوانات التي في الفيلم الكرتوني فإذا بها مع نهاية اليوم الثالث تستعيد مكانها ولو بفارق ألوف قليلة من الدولارات٠

إذ يراقب المرء ما يحدث من عراك حول المركز الأول، يكتشف سريعاً أن الضحايا ليسوا أحد الطرفين، المخلوقات الحيوانية او الآلات العملاقة، بل الممثلين وقصصهم وشخصياتهم البشرية٠
وفي حين أن مثل هذه المعارك عادة ما ترى النور في كل موسم إذ تبقى الغلبة للأقوى في سوق العروض، الا أن الخسائر الناجمة عن النجاح لأفلام غير بشرية، بنفس الحجم الكبير لتلك الأفلام الكومبيو- صناعية٠ وبل ربما هي مضاعفة بالنظر الي حقيقة أن الأفلام التي لا زالت تتحدّث عن بشر عاديين، ولو بظروف استثنائية، حوت- في الغالب- ممثلين متدرّجين بين المعروفين جدا والنجوم. في العموم هي أسماء لامعة اعتادت أن تثبت قدرتها على جذب الجمهور في أي وقت من اوقات السنة
ول فارل في »أرض المفقودين«، ايدي مورفي في »تخيّل ذلك«، دنزل واشنطن وجون ترافولتا في الفيلم التشويقي »اختطاف بلهم« وجاك بلاك في »العام واحد«، جوني دب وكرشتيان بايل في »أعداء الشعب«. جميعاً واجهوا جمهوراً جذبته الآلات التي لا أسماء آدمية لها، وخسروا المواجهة، ما يطرح جملة اسئلة تنضم الى ملاحظات سابقة في هذا الشأن حين واجه نيكول كيدمان وجوليا روبرتس وكلايف أوون وول سميث وروبرت داوني جونيور مصائر متشابهة خلال الأشهر القليلة الماضية: عروض الجمهور عن الممثل الحي لصالح الممثل المصمم إلكترونيا او المرسوم كرتونياً٠

أجور باهظة
الفيلم الوحيد الذي يحتوي تمثيلاً بشرياً والقليل جداً من المؤثرات (تكاد لا تكون موجودة) ونجح في هذه الفترة هو الكوميديا المسمّاة بـ »آثار السهرة«. هذه أنجزت للآن نحو 200 مليون دولار- لكن المفارقة أن قوامها ممثلين لم يحقق أي منهم نجاحاً سينمائياً من قبل. أسماء جديدة او جديدة نوعاً مثل زاك غاليفياناكيس، جوستين براثا، اد هلمز وبراد كوبر. أما هيذر غراهام المعروفة فدورها محدود جداً٠
وهو مبلغ طائل لأن الفيلم تكلّف نحو 35 مليون دولار، في حين أن أقل ميزانية لأي من أفلام النجوم المذكورين تجاوزت الخمس وسبعين مليون دولار، وفي حالات متعددة جاورت المئة والثلاثين مليون دولار٠

The Hangeover

أما تلك الناجحة، فإن الممثلين الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع تحتّم عليهم التمثيل فرادى في مواجهة فراغات داخل الاستديو سيتم ملؤها لاحقاً بالشخصيات المصنوعة كومبيوترياً، فإن أدوارهم نوع من الكماليات. فالجمهور لم يقبل بغزارة لمشاهدة شاي لابوف في بطولة »ترانسفورمرز 2« ولا لمشاهدة بطلة الفيلم الفاتنة ميغان فوكس. كذلك فإن أحداً لم يشاهد فيلم »فوق« لكي يسمع صوت ممثله إد أزنر- ربما باستثناء إد أزنر نفسه٠
ومجموعة أبطال »ستار ترك« كان يمكن لهم أن يكونوا أي مجموعة أخرى تم استئجارها لإداء تلك الأدوار. الأسماء ليست مهمّة. المهم المغامرة الفضائية ومشاهد المعارك المستقبلية فوق الكواكب٠

كل هذا يعزز السؤال الجاهز: هل هناك حاجة لدفع كل هذه الأجور الى ممثلي الصف الأول؟
هذا السؤال طرح حين ضرب إعصار من التجاهل فيلم »استراليا« مع هيو جاكمن ونيكول كيدمن. الفيلم الذي تكلّف أكثر من 200 مليون دولار أنجز أقل من نصف ذلك أميركياً علماً بأن كل من هذين الممثلين حصل على خمسة عشر مليون دولار نظير دوره٠
جوليا روبرتس حصلت على خمسة عشر مليون دولار عن دورها في »ازدواجية« (ومصادر تقول ثمانية عشر مليوناً) الذي اكتفى بأربعين مليون دولار من الإيرادات علماً بأن ميزانيّته بلغت مئة مليون دولار من دون تكاليف الدعاية والترويج. وحتى ولو أضفنا ايرادات الفيلم العالمية (75 مليون دولار) فإنها لا تزال أقل مما تكبّده انتاج هذا الفيلم٠

Star Trek

جمهور جديد
ذلك كله يثبت أن الإقبال على الأفلام يدخل مرحلة تغيير جديدة. للمرّة الثانية في غضون عشر سنوات او نحوها٠ التغيير السابق حدث حينما بات واضحاً في مطلع هذا العقد أن المؤثرات التقنية فصلت بين الإهتمامات: الجمهور الشاب يريدها والجمهور الناضج والمتقدّم في السن يريد تلك الأفلام التي لا زالت تعتمد على الممثل الحقيقي. ومع أن الكفّة رجحت للفئة الأولى، الا أن تلك التي اختارت الممثل عوض الآلة كان لها انجازاتها طوال تلك السنين وهي التي صانت نجومية العديد من الممثلين المعروفين حال تخطّوا سن الأربعين مثل توم هانكس وتوم كروز وايدي مورفي وول سميث وسواهم٠

التغيير الحاصل اليوم هو أبعد من ذلك: أفلام هؤلاء حتى إذا ما كانت من المغامرات الفانتازية وتم تزويدها بمؤثرات خاصّة ليست محصّنة ضد الفشل والفشل الذريع أيضاً٠
ما يجلبه ذلك الى الواقع اليوم هو حالة جديدة يتم فيها تغيير الحافز على مشاهدة الفيلم، فعوض العبارة التقليدية: هذا فيلم لجورج كلوني او فيلم لنيكول كيدمن يستدعي المشاهدة لهذا السبب وحده، صارت العبارة المتداولة: هذا فيلم الآلة التي تتحوّل الى سيارة عملاقة او الى وحش على شكل عنكبوت من الصلب او-في أفضل الأحوال: هذا هو الجزء الثاني من الفيلم الذي أبادت مخلوقات الفضاء مدن الأرض٠
وضمن هذا التغيير الحاصل، فإن اساليب المعرفة بالأفلام صارت تعمل ضد نجاح تلك التي لديها قصّة ذات قيمة تريد طرحها٠
جمهور اليوم الذي يجلس وراء الكومبيوتر ويمضي الوقت في مطالعة الفايسبوك والتواصل مع الآخرين على الشاشات الصغيرة بات على اطلاع مسبق بكل تفاصيل الفيلم بفضل المواقع التي تتسابق في الكشف عن مضامينه وأجوائه وتفاصيله وهي بالمئات. الجمهور الجديد يكتفي بذلك من دون أن يقيم وزناً لمن يقوم بالبطولة٠ هو يعرف مسبقاً »ترميناتور 4« وما يرويه والكثير عن مخلوقاته الحديدية وما ستفعله في هذا المشهد او في ذاك، وهذا ما يبني عليه قراره بمشاهدة الفيلم من عدمه٠ وليس أن أرنولد شوارتزنيغر لديه مشهداً من بضع ثوان، او حتى أن كرشتيان بايل الذي يؤدي بطولة أفلام »باتمان« الناجحة، هو من عليه التصدّي للوحوش الفضائية٠
لقد بات واضحاً أن معظم الممثلين الرئيسيين صاروا يدركون أن عليهم الإرتباط بشخصية خرافية لأجل البقاء في المناصب الأولى. كرشتيان بايل تبوّأ الصدارة بسلسلة "باتمان". توبي ماغواير سجّل كل انتصاراته التجارية في سلسلة أفلام »سبايدر مان«. روبرت داوني هجم على فرصة توليه بطولة »ايرون مان« واد نورتون ضمن لنفسه مكاناً بين كل هؤلاء عبر »الرجل العملاق«٠
وكل واحد من هؤلاء ممثل جيّد موهوب بدرجة فاعلة وعلى قدر كبير من القدرات الإدائية التي برهن عليها في أفلام ذات معالجات إنسانية او قضايا اجتماعية او حتى قصصاً درامية لا دخل لها بالآليات المستوردة من تصاميم فنيي الرسوم والمؤثرات



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Issue 1 | النقد والناقد ونظريات في السينما

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا >> 2:37 PM >>




الناقد وفلسفة الفيلم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف يستطيع الناقد أن يُفيد المخرج ولم لا يفعل؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكتب معظم نقاد السينما في كل مكان وفي بالهم القاريء المواظب على قراءة النقد٠
على قلّة هذا القاريء النسبية في الغرب، وقلّتها الأكبر في بلادنا، الا أنه قاريء مثقّف في العموم، يحب السينما ويحب أن يعرف عنها ويقارن ما كوّنه من رأي مع ما كوّنه الناقد من رأي. أين يلتقيان وأين يختلفان٠
إذاً يكتب الناقد وفي البال القاريء لكن هذا لا يعني أن القاريء هو الذي يوجّهه الا في حالة واحدة: حالة إذا ما كانت الصحيفة تطلب من الناقد الإهتمام بأفلام معيّنة هي ذاتها الأفلام التجارية التي سيقبل عليها معظم النقاد٠
تصوّر أن هناك فيلما فرنسياً جديداً للطليعي جاك ريفيت وفيلما أميركياً جديداً لمايكل باي٠ في معظم الصحف الغربية صار معتاداً أن ترى الناقد وقد خصص فيلم مايكل باي بالمساحة الأكبر وفيلم جاك ريفيت بالمساحة الأصغر. ربما لو كان الأمر من إختياره لعكس الآية٠

لكن لم لا يكتب الناقد للمخرج أيضاَ؟
لا أريد أن أتوسّع جغرافياً لأتحدّث عن النقد الغربي (او الآسيوي او اللاتيني او الأميركي الخ...) بل سأحصر -قدر المستطاع- حديثي بالنقد السينمائي في العالم العربي رغم أن الكثير مما سأذكره هنا متداول خارج إطار العالم العربي أيضا٠

بإيجاز تضطره الرغبة في الجواب على السؤال ذاته عوض التمهيد له، فإن السبب الذي يكتب فيه الناقد وفي باله الجمهور وليس المخرج بسيط: المخرج لا يقرأ النقد او هو يقرأه ولا يجاهر بقراءته الا في حالات محدودة٠
لأن كثيرين من المخرجين ينفون أنهم يكرهون النقد، فإن الناقد عليه -وهو لا يستطيع إثبات ما يقومون بنفيه على وجه او على آخر- أن يقبل احتمال أنهم لا يقرأوون صدّق ذلك ضمنيا او لم يصدّق. لذلك يلغي في معظم الأحيان المخرج من باله حين يكتب ويفضل التوجّه للجمهور الذي هو في موقع وسطي بين الناقد وبين المخرج. بين النقد وبين الفيلم٠

عليّ أن أفتح قوسين وأقول هنا أنني استخدم هنا تعبير المخرج وأقصد به المخرج المحترف، ذلك لأن المخرجين الذين لا زالوا في مطلع الطريق خصوصاً في دول الخليج برهنوا خلال الأعوام الثلاث الأخيرة على أنهم يريدون التعلّم والمعرفة ويقرأون النقد ليروا فعلاً أين أخطأوا وأين أصابوا. طبعاً هذا في الغالب إذ أن الإستثناءات موجودة في كل ظرف وحال٠

هناك حفنة أسباب تدفع المخرج لأن لا يقرأ النقد٠
هو فعلاً لا يقرأ النقد لأنه لا يكترث له -
هو لا يقرأ النقد (أو هكذا يدّعي) لأنه لا يعتبر ان النقاد يفهمون في السينما ولا يعرفون خطواتها -
وتقنياتها٠
هو لا يقرأ النقد (أو هكذا يدّعي) لأنه يعتبر نفسه فوق النقد -

في الحالة الأولى هذا شأنه ولا علاقة لهذا القرار بجودة او رداءة أفلامه٠
في الحالة الثانية فإن المخرج الذي لا يكترث لأنه لا يعتبر أن نقاد السينما يعرفون في الخطوات والتقنيات والأمور الفنية لم يبحث كفاية ليتأكد. لكن معه حق: معظم النقاد الذين يكتبون ( نحو 80 بالمئة) ليست لديهم الثقافة التقنية والفنية الضرورية لكي يكتبوا نقداً سينمائياً- لذلك تراهم يكتبون نقداً سياسياً او روائياً او يطرحون قضايا يستخلصونها مما يثيره الفيلم٠

في الحالة الثانية كما ليس هناك فيلما فوق او تحت النقد، ليس هناك مخرجاً فوق او تحت النقد٠

أعتقد أن نصف النسبة التي ذكرت عن النقاد الذين يكتبون من دون معرفة كافية او كاملة يستطيعون تطوير ملكيّتهم ومعلوماتهم لو شاؤوا٠ لكن الآن، وبوجود هذه النسبة المرتفعة فإن المخرج لديه عذر محدود لجهله بالعشرين بالمئة الباقية٠

طبعاً هناك الغاية من وراء قراءة النقد
الجمهور، كما ذكرت، يقرأ النقد ليعرف وليقارن -إذا ما شاهد الفيلم- ولأنه يهتم بالسينما كوضع ثقافي٠ لكن المخرج لديه، إذا ما قرأ النقد، سبب مختلف: غالباً يريد معرفة ما قيل في فيلمه الأخير. وهو سيسعد من نقد ايجابي وسيتجاهل نقداً سلبياً٠
لنقل أن النقد الإيجابي الذي قرأه عن فيلم له كان يعكس دراية بالفيلم، ولنقل أن النقد السلبي الذي لم يعجب المخرج كان أيضاً، وبذات المستوى، يعكس دراية بالفيلم نفسه فإن المختلف إذاً هو قراءة كل ناقد للفيلم حسب معطيات معيّنة٠

ما يتدخّل في وسط العملية هو الكبرياء الخاص بالمخرج إذاً٠ لأنه إذا ما كان الكاتبان مصيبان، كل من ناحيته، فإن اعجابه بالمقالة المادحة بالفيلم ليس قائماً على بحث من جانبه حول عمق المسببات التي دفعت بالناقد الآخر لعدم الإعجاب٠
ولكن هل يستطيع أن يكون هناك ناقدين مصيبين لكنهما على طرفي النقيض؟
في الحالات النموذجية فإن الذي يحدث هو أن ما يُعجب الناقد الذي كتب مقالة مؤيدة للفيلم هو ما يراه أهم من المسائل التي يمكن اعتبارها ثغرات. بالنسبة للناقد الذي كتب مقالة معارضة للفيلم فإن تلك المسائل التي اعتبرها الأول ثغرات قد تكون هي ذاتها التي يراها هو بالغة الأهمية٠

التالي مثالاً محدداً
الممثل محمود عبد العزيز قاد بطولة فيلم داوود عبد السيد »كيت كات« سنة 1991
الآن هذا ما يحدث
الناقد المعجب بالفيلم: قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز جيّد لانصهاره بدور الأعمى وتجسيده الحركة والإيماءة الى درجة كبيرة٠
الناقد المعجب بالفيلم قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز كان مقبولاً وليس جيّداً، لكن هذه الناحية لم تؤثر على مستوى الفيلم٠

الآن الطرف الثاني
الناقد المعارض للفيلم قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز كان ضعيفاً للغاية ولديه هنا وجهتان، أما سيجد أن هناك خطأ أكبر من هذا الخطأ في الفيلم، فيحجّم هذا الى حد، او سيرى أن الممثل الأول (أي محمود عبد العزيز في هذا المثل) لم يستطع حمل الفيلم على كتفيه كما هو مفروض او أنه كان أكبر او أصغر سنّا او أن تشخيصه كان استعراضياً وليس عميقاً وسيرى أن هذه المسائل (او اي منها) مسائل أساسية يمكن رفض معظم الفيلم على أساسها لأن الفيلم يتمحور حول الشخصية الواحدة٠

الذي يحدد من هو الناقد (من بين هذين الناقدين) الذي على حق، هو متابعة الفيلم من كلا وجهتي النظر في الممثل للتأكد من الحقيقة، وكي يفعل الناقد ذاته او ناقداً ثالثاً فإن عليه أن يكون ملمّاً بالعمل السينمائي ومعنى إدارة الممثل واللغز الذي يفصل بين التمثيل للكاميرا والتمثيل للحياة بأسرها أمام الكاميرا

هناك فريقاً كبيراً جدّاً من المخرجين لا يقرأون للنقاد. حين يتحدّث مايكل باي في مؤتمر له قائلاً: "معظم النقاد كره فيلمي هذا (يقصد »ترانسفورمرز: انتقام الساقطين") لكني لا أهتم فالجمهور معي" فإنه على الغالب ينظر الى نسبة النقد الي هاجم الفيلم وهناك مواقع الكترونية تحصي النقد وتبني نسباً محددة حيال كل فيلم. فتجد أن الإعجاب بفيلم مايكل باي بين النقاد الذي شملهم الإحصاء لا يتعدّى الإثنين والخمسين بالمئة٠
هو لم يقرأ المئة مقالة (ربما قرأ -إذا ما قرأ- ثلاثة او خمسة) لكنه نظر الى الرقم وسخر منه لكنه لم يكن سيفعل لو أن معظم النقد كان إيجابياً حيال فيلمه٠
ما أريد الوصول اليه هنا هو هذا الموقف يُلغي مسألة مهمة وهي: أهمية النقد السينمائي لدى المخرج بصرف النظر عن موقف النقد من الفيلم الأخير للمخرج٠
ما يقودني وإياكم الى السؤال حول كيف يستطيع أن يكون الناقد مفيداً للمخرج؟
يستطيع الناقد أن يكون مفيداً للمخرج إذا ما سمح المخرج لنفسه بأن يستفيد. حتى يفعل ذلك، عليه أن يبحث عن الناقد الجيّد الذي يستطيع الوثوق بكلماته٠
واعترف بأن هذا البحث ليس سهلاً لأن الميدان مليء بأصحاب المواقف والآراء وبالقليل من النقاد الفعليين٠ على أن سهولة او صعوبة البحث عليها أن تبقى مسألة ثانوية في هذا المضمار والمسألة الرئيسية هي تلك النابعة من داخل المخرج ورغبته في المزيد من المعرفة عبر القراءة٠

المطلوب ليس أن يختلف المخرج تماماً في فيلمه التالي، او أن يصنع الفيلم الذي لا يستطيع المخرج صنعه لمجرد أن النقاد قالوا له هذا. يكفي أن يُدوزن عمله او أن ينتبه أن ما اعتقد أن التصوير بالكاميرا المحمولة -مثلاً- سيؤمنه من وقع واقعي، لم يفعل وبناءاً عليه فإن الخطوة التي عليه القيام بها عن قناعة هي البحث عن السبب الذي غالباً ما هو مرتبط بسياسة التصوير بينه وبين مدير تصويره٠ إذا ما وردت هذه الملاحظة لدى ناقد وقرأها المخرج وبحث فيه او اقتنع، فإن رسالة الناقد صوب السينما ارتقت. صار لها وظيفة إضافية فوق وظيفته الأولى وهي أن يكون صريحاً وصادقاً ومفيداً للقاريء غير المحترف أساساً٠


=============================================================

تاريخ كتاب السينما

حبّاً بالسينما وحبّاً بالنقد ثم حبّاً بالتوثيق وضعت سلسلة
من الكتب التي سمّيتها "كتاب السينما: الدليل السنوي
المصوّر للسينما العربية والعالمية" الذي صدر منه سبعة أعداد
لكنه كُتب إحدى عشر مرّة٠ التالي تاريخ هذا الكتاب وظروفه
من العدد الأول الى اليوم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

راودتني الفكرة في يوم ما من أيام لندن 1983
وراودتني معها على الفور أن أقوم بنشر الكتاب بنفسي. ليس لأني كنت يوماً ثرياً، بل لأني نظرت الى ما يصدر من كتب عربية في السينما ولم أر شبيهاً لما أقصد القيام به٠
نعم في مصر صدرت أكثر من سلسلة تؤرخ للأفلام كل سنة، لكن للأفلام المعروضة في داخل مصر. في بريطانيا كان هناك (ولا يزال) كتاب يصدر بالإنكليزية لتوثيق الأفلام كل سنة، لكنها الأفلام المعروضة داخل بريطانيا. في فرنسا، في روما، في الولايات المتحدة وربما في زمبابوي.... لكن دائماً ما يوزّع ويعرض فقط داخل الدولة التي ينتمي اليها المؤلّف٠
قلت في نفسي: لكن هذا الكتاب بانورامي لكل ما أشاهده في أي مكان. وفي صالات السينما كما في المهرجانات. وهناك ما لا يقل عن 350 فيلم أشاهدها في كل سنة (معدّل قد يرتفع قليلاً في سنة او يهبط قليلاً في سنة أخرى) لم لا تكون نواة كتابي؟

من أين لي المال؟ حسناً. سألجأ الى المنتجين والموزّعين وأطلب منهم نشر إعلانات في الكتاب. كان هذا المنوال لا يزال جديداً. الإعلان عادة ينشر في المجلات - لكن في الكتب؟ رددت على هذا التساؤل بالقول: لكنه كتاب سنوي. مرجع. موسوعة. يحتفظ به القاريء طوال حياته٠
هذا ما رددته لكثيرين من الذين طلبت منهم إعلانات. المفاجأة الكبرى أن معظم من تقدّمت اليهم وافق اي نحو خمسة من سبعة او من ثمانية... وصدر الكتاب سنة 1984 وعليه صورة أنطوني كوين ملتحفاً بالثياب الليبية الوطنية في لقطة من فيلم المرحوم مصطفى العقاد »عمر المختار« (المعروف أيضاً بعنوان عالمي هو »أسد الصحراء«)٠

وضعت خطّة للكتاب: أفضل عشرة أفلام في فصل أول. ثم أفلام أخرى مهمة، في الثاني، وبانوراما في الثالث. ثم فصل عن السينمائيين يبدأ ايضاً بأكثرهم تأثيراً، ثم بانوراما وسجل للراحلين منهم٠

توجّهت الى زميلين للبحث معهما إمكانية الإسهام٠
لا أتذكر من منهما توجّهت اليه قبل الآخر، لكني أعتقد صلاح هاشم كان الأول (تعرّفت عليه خلال رئاستي مجلة »الفيديو العربي« من العدد 2 الى العدد 12 وهو أكمل رئاسة تحريرها بعدما استقلّيت من العدد 13 الى عدد او عددين بعد ذلك حين قرر صاحبها إيقافها)٠
تحمّس الزميل كثيراً، وهو دائم الحماس لما يراه سينما مستقلّة معتبراً أن الكتاب بحد ذاته تعبير عن هذه السينما طالما أن المؤلف هو الذي سينشره على حسابه٠
لكن هذا الإعتبار هو الذي جعلني أوقن أننا نتحدّث لغتين مختلفتين: أحب السينما الجادة بلا ريب، وأحب المستقلّة (إذا كانت جيّدة) وأحب سينما الزعل والنقد والتجريب (إذا كانت فنيّاً على مستوى) لكني أحب كل السينما أيضاً٠ لا يمكن أن أحصر نفسي او كتابي الى تمجيد او رفع شأن سينما معيّنة مهما كانت٠ الفيلم الجيّد هو الرابح عندي٠
حين أيقنت ذلك انسحبت بمشروعي لأني لم أرد له أن ينجرف في نواحي أخرى٠
قبل الإنسحاب بقليل (أذكّر التوقيت ربما كان غير دقيق هنا) اتصلت بالزميل أمير العمري الذي كان انتقل من مصر الى الجزائر (كان طبيباً) ثم الى لندن٠ ومجلة »الفيديو العربي« هي التي استقطبتنا أيضاً. على ما أذكر كانت المرّة الأولى التي التقيته فيها حين جاء المكتب (أعتقد بعد مراسلات) يؤكد لي أنه من فرط حبّه للسينما سيترك الطب ويريد أن ينشر في »الفيديو العربي« بأي وسيلة كانت. وبالطبع توقّف ذلك على ما سيكتب ومدى جودته٠ أنا وهو وصلاح من أعمار متقاربة لكن الظرف وضعنى رئيس تحرير حتى قبل التعرّف اليهما والفضل لإداري أسمه ماهر توفيق (مصري أيضاً) طلب منه الناشر الكويتي رئاسة تحرير المجلة (التي كان من المفترض بها أن تكون لأفلام الفيديو التي كانت في ذلك الزمن صرعة عربية وعالمية) فلجأ اليّ وهو لا يعرفني وعرض عليّ أن أرأس تحريرها. تعجّبت (رغم أنني رأست تحرير مجلة »فيلم« حين كنت لا زلت طالباً في الثانوية) لكني وافقت٠

أمير العمري كتب وأعجبني ما كتبه ونشرت له في »الفيديو العربي« وتوجّهت اليه لكي يكتب في »كتاب السينما« ووافق واشتريت منه مقالات (واحدة فقط لم أنشرها لأنها حوت قصّة الفيلم على معظم صفحاتها)٠

ذهبت الى بيروت مع موادي (نسبة 95 بالمئة) ومواد غيري واتصلت بمصمم فني (أسمه نزيه كركي وسكن بعد ذلك في بناية تبعد ثلاثين مترا عن مسكن أهلي لكني قابلته مرّة واحدة بعد ذلك) الذي وضع تصميم الكتاب الذي جاء في نحو أربعمئة صفحة. أخذته الى دار توزيع كانت أكبر دور التوزيع في العالم العربي وأسمها »الشركة العربية« وهذه وافقت على توزيعه٠

وصدر الكتاب وتم نشره وكان أول كتاب سينمائي، كما قيل لي، يدخل المملكة العربية السعودية. وشركة الأهرام الصحافية العتيدة قامت بتوزيعه في القاهرة والنسخ كما عرفت بعد حين كانت تنفذ وكانت الأهرام تعيد طرحه مرّة بعد أخرى٠

هناك سبب جوهري واسمحوا لي أن أقول أنه سبب ذكي، وراء اتجاهي الى شركة توزيع توزّع الصحف والمجلات، وليس الى دار توزيع كتب: السبب هو أنه سيكون بمتناول القراء. فمعظم المشترين يشترون من أكشاك الصحف على قارعة الطريق ومن المكتبات التي تبيع مجلات وجرائد، بينما المتخصصون غالباً هم من يشترون الكتب من المكتبات التقليدية٠

بعد أقل من سنة حين ذهبت الى بيروت ثانية وطالبت بحصّتي من الإيرادات أعطوني كشف حساب يعرف الله وحده كم كان دقيقاً وسليماً وحسبوا فوق المبيع أجور الشحن والباقي بلغ نحو 400 ليرة لبنانية او ما كان يوازي قرابة 150 دولار. كنت سعيداً٠ أنا في البزنس٠

لكن كنت في البزنس حين جلبت له إعلاناته أيضاً. كل ما حدث هو أن دفع المبلغ جعلني أشعر بأني أنجزت عملاً ناجحاً ونلت عليه الجانب المادي من ثماره مهما كان ضئيلاً٠
في الحقيقة لم أخسر في أي من الأعداد التي قمت بتأليفها ونشرها على حسابي. دائماً ما كنت أوفي الكلفة (والكلفة كانت قليلة بالمقارنة مع اليوم) وكنت أوفّر بعض المال من بيع الإعلانات٠

بذلك »النجاح« رصدت خطواتي للعدد المقبل٠

يتبع٠٠٠٠٠

=========================================================
خمس مصطلحات نظرية: قاموس يدوي سريع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفيلم حقيقة ووهم
في الواقع الفن الوحيد الذي يقدر أن يضم الزمن على هذا النحو. الفيلم حقيقة من حيث أن المشهد الماثل أمامك، في لحظات اندماجك فيه وموافقتك اللا شعورية على قبول ما يعرضه، يمثّل لك حقيقة . هذه الحقيقة هي بذاتها وهم إذ أنه حالما تخرج من اندماجك خلال العرض تتذكّر أن لا شيء يقع فيه هو حقيقي٠ خلال هذا الفارق بين مشهد/ فيلم منفّذ جيّداً ومشهد/ فيلم غير منفّذ جيّداً يبرز كعنصر فاصل بين الحقيقة والوهم٠

الحضور مقابل الغياب
الفيلم تم تصويره قبل حين ومن قام بتصويره (كل من عمل فيه) هو الآن في زمن آخر ومكان آخر٠ توهيم المشاهد بأن الفيلم حقيقة أنتهى في جزء منه حال انتهى العمل. لكن ما لا ينتهي أمران: إعادة هذا التوهيم حين عرض الفيلم وحضور الغائب فيه. هذا الحضور يأتينا من الغياب ذاته. في الواقع ما نشاهده الان على الشاشة يحضر بينما من فيه مات او اعتزل او لا يزال يعمل في مكان آخر او فيلم آخر٠ أيضاً المشاهد غائب عن هذا الواقع إذا ما نجح الفيلم في تقديم الحالة تقديما جيّداً مقترحاً واقعاً محدداً، فإن المشاهد ليس طرفاً عينياً فيه. كيف يكون هذا الواقع حاضراً (او واقعاً) إذا لم يكن المشاهد فيه. هنا يتدخل طرح كان طبّقه فرويد على شكل علاقة الواحد منّا بالمرآة: يقول أنه حين تحملنا أمّهاتنا آطفالاً الى المرآة وتشير لنا أن نرى أنفسنا في المرآة، فإن الشعور آنذاك بأننا في واقع الأم. حضورنا معاً دائم٠ بعد سنين حين ننظر الى المرآة من دون الأم فحضورنا السابق هو الغائب. الأم غائبة ما يولّد فينا تقدير الماضي حين كانت الأم في الصورة. في مرحلة ثالثة من المعرفة تبدأ عملية النظر الى المرآة كحالة وجودية والمرآة تصبح رمزاً لانعكاسات متداخلة تتجاوز انعكاسات الناظر اليها، تماماً كما الشاشة٠

الغموض / المعنى مزدوجاً
تأسيس المشهد (وبالتالي الفيلم الجيّد) على النحوين السابقين يقترح حالة ثالثة في بعض الأحيان حين يطلب المشهد من المشاهد أن يعايش حالة مزدوجة من التفسير: هل هذه الشخصية بريئة فعلاً؟ هل سيكتشف احدهم اختباء الشخصية المعيّنة في الخزنة؟ ما المعنى المقصود بذلك اللوح الهائل في فيلم ستانلي كوبريك »أوديسا الفضاء« الخ٠٠٠ هذا السؤال من المفترض به أن يعيدك الى عملية التفكير. الى قدر من الخروج من الفيلم (ولو من دون انقطاعك عن اندماجك) لتطرح على نفسك السؤال- بل أن هذا هو ما يودّ المخرج منك أن تفعله. لماذا تشعر بتوتر مسبق في تلك المشاهد التي تسبق قيام انطوني بيركنز مرتدياً ثياب أمّه باقتحام حمّام جانيت لي وقتلها بإسم الأم؟ لا يمكن أن تعرف. لاحقاً ما يمكن أن تحلل اللقطة والمونتاج والحوار وتتبدّى لك كيف بنى المخرج هذا التوتّر. لكنه توتّر يؤدي الى معاني مزدوجة خلال عرضه مستمدّة من الشخصية التي دخلت علي الخط (بيركنز) مع ما سبق تأسيسه حول شخصية جانيت لي٠

الإستعارة المجازية
اللوح الأسود في فيلم ستانلي كوبريك هو إستعارة مجازية. العموض في مشهد هيتشكوك ليس رمزياً او مجازياً٠ الإستعارة المجازية تقوم على مبدأ قيام المخرج بطرح موضوع عيني (اي قابل للرؤية) للحديث عن موضوع لا يمكن تصويره مثل الإدراك، العقل، الموت الخ... كذلك هو مطروح أحياناً عبر ما يمثّله الفيلم بأسره . مثلاً هناك ما يستدعي تذكّر حرب فييتنام من خلال فيلم عن مذابح للهنود الحمر مثل فيلم لامونت جونسون »الجندي الأزرق«٠ كون المجاز ليس غموضاً مفتعلاً يعني أن عليه أن يُطرح في سياق. هذا السياق قد يأخذ شكل أي عمل من فيلم غير قابل للتصنيف نوعياً (كأفلام جان-لوك غودار) الى افلام فيلليني وبرغمان وصولاً الى أفلام هوليوودية معيّنة٠

الحداثة وما بعد الحداثة
السجال دائر كذلك محاولات تفسير تلك العلاقة بين الإثنين. متى تنتهي الحداثة ومتى تبدأ ما بعد الحداثة وما هو مفهوم كل من الإثنين خصوصاً الثانية [هل هي استمرارية للأولى؟ نقلة نوعية؟ استحداث ما ورائي؟ او تمرّد على؟ الخ...). سبب السجال أن التعريف الأساسي غير متّفق عليه لكلا المفهومين كما للتنوّع الشديد في القراءات وعلاقة كل منهما بالسينما أسلوبياً او طرحاً ذهنياً. الزمن المتفاعل أيضاً من تلك الأمور التي تجعل نقطة النهاية لما هو حدثي ونقطة البداية لما هو بعد حدثي نقطة غير متّفق عليها. الحديث هنا شاسع جدّاً وفي العملية السينمائية ذاتها، من حيث فلسفة الفيلم وتلقّيه لا يزال يخضع لذلك الإختلاف في قراءته. كعنصر فني لا قيمة للحداثة او ما بعدها في صيرورة الفيلم الفعلية. الحداثة وما بعد الحداثة يقترحان لدى المشاهد قراءة إضافية إذا ما تطوّع لذلك (والكثيرون يفعلون) لكنه لم يشكّل ركنا او أساساً في الطرح النقدي الى اليوم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب |

الفانوس السحري: قراءات في السينما | خالد ربيع السيد
منشورات دار الإنتشار العربي/ النادي الأدبي بحائل (لبنان- السعودية)٠

ليس سهلاً أن تكون ناقداً في بلد لا عروض سينمائية فيه. لكن ليس مستحيلاً والناقد الزميل خالد ربيع السيّد برهان على ذلك. المعيقات الناتجة عن عدم وجود سينما متداولة تتصل بصحّة اطلاق كلمة ناقد على من يكتب النقد ، لكن من يقرأ كتاب الزميل خالد ربيع السيّد يدرك أن الرجل لم يترك طريقة يتجاوز فيها هذا الوضع الا وعمد اليه وبنجاح تبديه مداركه ومعلوماته كما قراءته للأفلام الكثيرة الواردة بين دفتي الكتاب٠
قسّمه الى ثلاثة أبواب بعد مقدّمة توفر تاريخ علاقته بالسينما. هذه تمّت (كما تمّت معي) بفضل الأب٠ في حالته كان الأب شغوفاً بهذا الفن . يكتب الناقد: " وعدنما بلغت التاسعة من عمري صنع والدي لنا- أنا وأخي وأختي- فانوساً سحرياً"٠
بعد ذلك يمهّد الزميل الى أبوابه بمراجعة تاريخية موجزة للسينمات الأميركية والمصرية والهندية يعتمد فيها، كما الحال بالنسبة لكل من يرغب في كتابة تاريخ ما، على مصادر و مراجع سبقت زمنه. لكن حتى في هذا الشأن تستطيع استخراج قراءته الخاصّة به. السؤال الذي وجدت نفسي أطرحه هو أنه لم قرر قراءة تاريخية ما تمهيداً لدخول صلب الكتاب؟ والجواب علي ذلك لابد متعلّق برغبته في توطيد العلاقة بينه وبين قارئه فلا يلج القاريء صرحاً من الآراء كما لو كان هذا القاريء سبق له وأن استوعب ما يرد في تلك المقدّمة من تواريخ ومعلومات وطروحات في النوع وفي النظرة النقدية لكل سينما على حدة. بذلك يوفّر الناقد أولى ضروريات التعامل مع القاريء: اعتباره جديداً على الصورة وهو بحاجة لأن يكوّنها قبل أن يتحدّث فيها وهذا ما يفعله الأستاذ السيد٠
هذه العناية تستمر في الأبواب كلّها واللافت التنوّع في مكوّنات كل باب او فصل. الباب الأول »مفاهيم وقضايا سينمائية« يتناول -على سبيل المثال- الستينات وموسيقا الخيال العلمي، ويبحث فيما بعد ولادة السينما من خلال موجات تجدد في أطرها متحدّثاً عن خصائص الموجة الجديدة والسينما السياسية والتحريضية، كما -في فصل آخر من الباب، تجسيد الرموز الدينية في السينما ويقرأ في أفلام تتناول الهولوكوست مثل »عازف البيانو« لرومان بولانسكي و»قائمة شيندلر« لستيفن سبيلبرغ٠
الباب الثاني عن تجارب سينمائية لمخرجين وأفلامهم. وهذا الباب يحوي مواضيع نقدية حول سينما فديريكو فيللني وإيليا كازان ومارتن سكورسيزي وبرايان دي بالما من بين آخرين وصولاً الى الباب الثالث الذي اختار الحديث فيه عن السينما العربية٠
ليس هناك في كل ذلك ما يؤكد او ينفي احتمال أن تكون هذه المقالات منشورة في صحافياً، لكن حتى ولو كان بعضها منشوراً، فإن في الكتاب مواضيع مثيرة للإهتمام لم أقرأها من قبل مثل »قضية الكرد في السينما السوفييتية« او مثل »الأدب والموسيقا لسينما الروائع«. في مجمله مجهود رائع يتميّز بأسلوب عرض هو في ذات الوقت واضح ومتعمّق٠


=====================================================
لماذا لا غنى عن الفيلم نوار لدراسة السينما٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يختزن الفيلم نوار عناصر فنية متعددة تلتقي وحالات في النفس والتشخيص والدراما والأسلوب التعبيري على نحو فريد لا يمكن تجاهله لأي ناقد سينمائي او لأي هاو فعلي للسينما. »الفيلم نوار« ليس مجرّد معرفة بفصيل من الفيلم البوليسي والكثير منا لا يعتبره أكثر من ذلك، بل معايشة أكيدة لجوهره كحالة في السينما وكحالة سينمائية في ذات الوقت٠
صحيح إنه ليس نوعاً كما الفيلم البوليسي (بصوره العامّة) او كما الفيلم الوسترن او الكوميدي الخ... لكنه نوع من الأفلام البوليسية التي استبدلت ما كان سائداً من أفلام الجريمة المتطرّقة الى ارتكاب الجريمة كلغز او كسؤال محيّر فيمن ارتكبها ومن تراه يستفيد منها وكيف سيتم كشفه او كيف ستكون نهايته، بأفلام الجريمة فيها ما عادت محكّا اخلاقياً من نبرة واحدة ولون معيّن٠ الفيلم نوار الجيّد هو تعليق نفسي وفردي واجتماعي وحديث في هموم المدينة (في معظم الأحوال) من حيث التطرّق الى هموم أبطالها. وهؤلاء الأبطال هامشيون وليسوا »سوبرهيرو«٠ قد يكون أحدهم على هذا الجانب من القانون او ذاك، لكنهم ينبرون كضحايا تدرك مقدّراتها وتنقاد إليها دافعت عن نفسها جيّداً وتحاشت النهاية او لم تستطع٠
بالنسبة للمُشاهد العام، ناقداً كان او لم يكن، فإن الفيلم نوار أيضاً تكثيف لعوامل في التصوير والإخراج والموسيقا والمونتاج لا يمكن التغاضي عنه٠ عدم الإعجاب بالفيلم البوليسي بين أوساط كثيرة من المثقّفين العرب يعود الى اعتبارهم أن الفيلم البوليسي أقل مستوى من سواه. حسب هذا الإعتقاد »الشيطان الصغير« لكمال الشيخ أقل قيمة من »حدوتة مصرية« ليوسف شاهين، او »قبلني موتاً« لروبرت ألدريتش أقل قيمة من »زد« لكوستا-غافراس٠ وهذا خطأ فادح في قراءة الفيلم والسينما بشكل عام٠


حقيقة أن بعض المسائل، مثل الذاكرة الخاصّة بالمخرج في »حدوتة مصرية« او مثل الكشف عن فساد السُلطة في »زد« او مثل العداء للعربي في »علاء الدين« حسب ديزني، هي قضايا مكشوفة لا تتطلّب الكثير من التمحيص لاتخاذ الموقف وبل تساعد العديد من الكتّاب في السينما بلورة مواضيع تطرح القضايا المثارة او تستغل الأفلام لطرحها بصفة المفكّر او المثقّف او صاحب الرأي، تواجهها حقيقة أهم وهي أن المواضيع ذاتها قد تكون مطروحة في أفلام لا تتخّذ صفات الإعلان ومصاغة أسلوبياً بما لا يقل فنّاً وتفنناً من أي فيلم يحمل قضيّته او يكشف عن موضوعه المطروح على باطن يده٠
شخصياً، أفضّل الموضوع المبطّن على ذلك الظاهر، والفيلم نوار نموذجي في طرح الأمور المبطّنة، تلك التي عليك أن تتعب قليلاً لفضّها ومعرفتها، لأنها مؤلّفة -صياغة وسرداً- من عناصر ملتحمة. الحرفة الصناعية للفيلم بشتى أشكالها عليها أن تمتزج مع الطروحات المختلفة التي تأتي في القصّة المسردة سواء أكانت تلك الطروحات إجتماعية، فردية او -كما في معظم الحالات- فردياً/ اجتماعياً في آن معاً٠

إذا كان »البلوز« هو أغاني الأحزان بين كل أنواع الغناء الأميركي (جاز، فولك، كانتري، بوب الخ...) فإن الفيلم نوار هو البلوز بين الأفلام٠
الفترة التي خرجت فيها أفلام النوار، مع مطلع الأربعينات، تعكس الإختلاف البيّن الأول للمفاهيم الإجتماعية في الحياة الأميركية. البلاد خرجت من وضع الفترة الإقتصادية الصعبة وباركت هوليوود ذلك الخروج بتيارات من السينما المتفائلة، سواء أكانت قصص حب، او وسترن، او كوميديا او ميوزيكال٠
موقف الفيلم نوار من كل ذلك هو السير عكس التيّار: النظرة الساخرة من المحيط، المنتقدة للتقاليد والمتشائمة من التغيير المنشود٠ بكلمة واحدة: هي أفلام سوداوية لكن لكي تكون ناجحة وفاعلة وسوداوية كان عليها أن تطرح ما هو مخالف لقصص النهايات السعيدة٠
إحدى النهايات المثالية للفترة هو أن بطل فيلم »قبّلني موتاً« لروبرت ألدريتش يفشل في منع التلوّث النووي وينهي المخرج الفيلم بإنفجار كبير لا مهرب منه٠

البطل في الفيلم نوار، كما أسلفت، لم يكن بطلاً خالصاً. هو بطل بموضعه كقائد للحدث. لم يكن من النوع الذي يسقط على قدميه واقفاً بعد كل محنة. بل ما يجذبنا اليه كونه قابل للكسر وللعطب. في فيلم بيلي وايلدر »تأمين مزدوج« البطل (فرد مكموري) يسقط في فخ إمرأة (باربرا ستانويك) تستخدمه للوصول الى مبتغاها وهو قتل زوجها وقبض قيمة تأمين عالية٠ يساعدها من دون أن يدري أنه جزء من المؤامرة وليس شريكاً مناصفاً فيها٠ روبرت ميتشوم في »من الماضي« [جاك تورنور- 1947] نأى بنفسه عن ماضيه وعن المدينة في العيش والعمل في بلدة صغيرة، لكن حين يأتي الماضي اليه، يعيدانه الى المدينة حيث بؤرة الجريمة، كما الى المرأة التي خدعته وخدعت المجرم الأول (كيرك دوغلاس) والآن ستحاول أن تخدعه من جديد٠
في كلا هذين المثلين، وفي معظم افلام النوار الأخرى، شرط من شروط هذه السينما أن لا تكون النهاية سعيدة: لذلك فرد مكموري يموت بعد اعترافه، روبرت ميتشوم يموت وهو يقود المرأة الشريرة الى حتفها٠
والمرأة الشريرة ذات الحضور الأنثوي الطاغي في عشرات الأفلام من هذا النوع وسببها أنه في الأربعينات أخذ تخرج عن نطاق التقليد السابق من الحياة٠ عرفت قدراً أكبر من الإستقلالية. وجدها الرجل خطراً او كانت، في كل الأحوال، تمثل الخروج عن ما كان متداولاً بالنسبة لدورها كما بالنسبة للرجل المعتاد على تلك التقاليد٠
هناك الكثير جداً مما يجب قوله في هذا النوع، ولابد من العودة اليه في عدد خاص عنه. لكن ما بدأت به أعود إليه: هذا لون من ألوان السينما الذي يختزن في كل مشاهده كثافة في المعطيات على كل صعيد، وفي المضمون كما في الشكل والسياق والأسلوب. عدم اكتراث النقاد العرب به خطأ مارسوه جيلاً وراء جيل٠




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

CANNES 1

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا >> 9:43 AM >>

testing only

MOHAMMED ROUDA /مُحمد رُضا >> 2:56 AM >>
لديك بريد | تعليقات حول مواضيع ايليا سليمان، الصوت والصورة، مفهوم البطل وسواها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكر
عدد من المخرجين من الكويت والسعودية والإمارات بعث لي بعد انتهاء مهرجان الخليج السينمائي الدولي بتحيات وسلامات مشكورة وأود هنا أن أؤكد لمن لم يقرأ لي ردّاً خاصّاً بعد أن الرد إما على الطريق او أنه في القلب دائماً. أشكر ثقة كل منهم وأشعر بأن دور الناقد السينمائي لا يمنحه الا القاريء والسينمائي في الأساس٠
.....................................................................
كان وسليمان
الأخت هدى تقول في رسالة جديدة لها لايليا سليمان الحق في عمل ما يحلو له من أعمال ضمن نطاق تفكيره و ابداعه ، لكن لا يحق له أن يأتي لنا و يحتج كيفما كان لاننا لا نتعاطف مع اليسار الاسرائيلي - الذي من المرجح من يقف خلف تمويل أفلامه بينما ذلك اليسار يذبح في الفلسطينين يميناً و شمالاً . ترى التمويل الاسرائيلي ناشطاً ( ويليت العرب يفقهون شيئاً من قوة الصورة ، لكن لا حول و لا قوة..) في دعم السينما و ذلك ، كما ذكرت يا استاذ محمد ، لشيء ما في نفس يعقوب. و لان اسرائيل بحاجة ماسة للتغطية على جرائمها و اظهار نفسها كدولة متحررة و عادلة ، ليهرع الرؤساء العرب المحنطين و ازلامهم للتغني بها، ناهيك عن النفاق الاوروبي بضرورة تفهم الهواجس " الصهيونية" ٠

جواب:
أوافقك الرأي تماماً. هناك عدداً كبيراً من المثقّفين، ونقاد السينما، المنبهرين أمام الإعتقاد الذي رسّخوه من دون طلب من أحد بأن اليسار الإسرائيلي نظيف ويناهض ما يحدث من غبن وجرائم في حق الفلسطينيين المدنيين منهم قبل سواهم. بعض نقاد السينما تطبّعوا ثقافياً قبل دولهم معتبرين أن نصف عمل سينمائي من اي مخرج محسوب على اليسار، وفي مقدّمتهم أموس غيتاي، بأنه شهادة لصالح الفلسطينيين. أعتقد أنهم يرون نصف الفيلم ذاك بربع عين. لكننا نتنفّس الزمن الذي ينطح العرب رؤوسهم في الحائط محاولين تغيير الوقائع علماً بأن الأجدى هو معالجة المسألة من جذورها٠
شكرا لمداخلتك
..................................................................
الصوت والصورة

الأخ محمد العسكري أرسل جملة تعليقات ومعها جملة لينكات (أدناه) معلّقاً على موضوع »الصوت والصورة« الذي نشر هنا. يقول
حضرتك مش متخيل ريحتني لما كتبت عن موضوع الصوت ازاي لان فعلا فيه افلام قصيرة و طويلة بتكون فيها الموسيقة كثيرة قوي و ياريتها موسيقي حلوة بس لقيت فيلم كدة قصير الفيلم دة بجد الصورة و الموسيقي بيتكلموا و الفيلم مافيهوش غير مشهدين بس اللي فيهم كلام دة اللينك بتاعة (أدناه)٠ نسيت اقول حاجة مهمة قوي فيلم
Okuribito
لما كسب اوسكار ماكسبهاش كدة علي الفاضي لا لانه فيلم محترم و مهم جدا و فيه اللي حضرتك بتتكلم عنة يا استاذ محمد ... الموسيقي و الصورة و تاثيرها. اخر دقيقتين في الفيلم عشان ماحرفش الاحداث علي القراء عرفنا هو ليه اشتغل الشغلانة دي و عرفنا من نظراتة لمراتة هو ليه رفض انة يسيب الشغلانة و انة استمر فيها و كل دة من غير كلام صورة فقط و موسيقي في حركات معينة و دة مش عشان عايز يسمع الموسيقي و احساس الموقف اللي هماالكاملة اللي اتالفت للفيلم بس للناس لكن كل دة عشان الحركة مناسبة تماما مع الموسيقي فيه يا ريت بعد الرغي دة كلة اكون عرفت اوصل و لو جزء بسيط من اللي حسيتة بعد ما اتفرجت علي الفيلم
جواب: ملاحظاتك صحيحة. وبالمناسبة السينما اليابانية من أفضل تلك السينمات التي تزخر بالأفلام التي تتحدّث عن الفضاء الزمني والمكاني المحيط بالشخصيات. لا شيء مستعجل. لا منتج يقف وراء المخرج ليطلب منه الإختصار والإستعجال ولا مخرج يستخدم ثانية من صوت او موسيقى هباءاً. بالمقارنة هي سينما من كوكب آخر أكثر تقدّماً وشكراً على اللينك الخاص بفيلم Signs روتين الحياة هو شيء مما ورد في السيناريو الذي كنت أرسلته لي ذات مرّة. لم أعجب بالموسيقى المستخدمة ولا باستمراريّتها لكنها ضمن أسلوب الفيلم ولا أستطيع أن أعيبها كثيراً٠ ..................................................................

تحيّات لأمين وميسر
الأصدقاء محمد العسكري وخلف و أوبزرڤر يوجّهون التحية لأمين صوصي علوي وميسر مسكي على مقالاتهما ووصلني من الكاتبين العزيزين ما يفيد بأنهما يعدّان المزيد من الكتابات٠ الأخ أوبزرفر يطالب أمين صوي علوي بالمزيد وأنا أنقل هذا الطلب إليه لكن المسألة بالطبع تتعلّق بمشاغل الكاتب المختلفة ..................................................................
مراسل مصري
أسامة محمد محفلوظ من مصر يسألني -والحق معه- عن لماذا لا يوجد كاتب من مصر في أي من المجلّتين على غرار عدنان مدانات وهوڤيك حبشيان وزياد عبد الله وسواهم "ما اعتقدتش أنو ده قطيعة بس عايز أعرف برضو"٠

جواب:
لكنك تنسى الأخت المصرية هبة الله يوسف التي تكللنا بقراءاتها حول الأفلام الجديدة. رغم ذلك، ولإبقاء الحوار حول هذه النقطة قائماً أقول أن كل ما في الأمر يا أخ عمرو هو أن المساهمين في الكتابة معي يتبرّعون بمقالاتهم (والبعض بأوقاتهم إذ يكتبونها خصيصاً لنا) وهذا ما لا أستطيع أن أطلبه حتى من كل الأصدقاء٠ حاولت الإتصال بعدد من النقاد الذين أحترم، من بينهم مثلاً مصطفى درويش ومحسن ويفي، وباءت محاولاتي بالفشل. لا جواب. حاولت ذات مرّة تجربة نقل مادّة من صحيفة مصرية والإشارة الى مكان وتاريخ نشرها الأصلي لكن النقل لم يكن سليماً ورأيت أن عليّ أن أعيد كتابة المادّة من جديد. لكن الدعوة موجهة لكل من يريد أن يكتب هنا. كل ما أطلبه هو أن يكون الموضوع سينمائياً مكتوباً، خصيصاً او بعد نشره سابقاً، من قِبل المرسل نفسه. هناك نيّة لزيارة مصر قريباً وربما استطعت حل هذه المسألة٠
..................................................................
عن البطل والتنميط

عمر منجونة
بعث بتعليق على الدراسة المنشورة اليوم حول »مفهوم البطل في السينما« وفيها
فى الحقيقة دراسة رائعة جدا ومميزة أستاذ محمد، بالنسبة للتنميط فهو سمة غالبة فى معظم ما تقدمه هوليوود سعيا من المنتجين للتوجه صوب القاعدة الأعم من الجمهور لكنى أتساءل هنا عن طبيعة الجمهور بشكل عام، مثلا، يمكننى أن أتخيل أستاذا جامعيا يقضى ليلته بقراءة أدب بوشكين واذا ذهبت الى احدى المكتبات العامة قد أجد شابا فى الثامنة عشر يقرأ لنفس المؤلف. النموذجان يجتمعان على حب القراءة بشكل عام مما يجعل كل منهما فى سعى للبحث عن كل ما يضيف جديدا لمخزونه الثقافى , الأن: لماذا لا يمكن لنفس النظرية أن تطبق على السينما , أعنى أن يتحول حب السينما الى سعى للمعرفة والارتقاء بمستوى التفكير. هناك دائما عبارة أحب ذكرها عندما يتعلق الحديث بالجانب الترفيهى للسينما السينما متعة وليست تسلية " بالنسبة لى هناك فرق كبير بين التعبيرين"٠ أما من ناحيةأن أشاهد فيـلماً للترفيه. متغاضياً عن رسالته، فالأمر عندى متعة دائمة فعندما أنتهى من مشاهدة "اكيرو" لكوروساوا مثلا فأنا استمتعت تماما بعكس مشاهدة فيلم من بطولة محمد سعد مثلا وحتى ان قررت تجاهل الرسالة فأنا لا أشعر أبدا بالترفيه بل قد ينتابنى النعاس خلال الفيلم حتى. لكنى مع ذلك استمتع بأفلام "تارنتينو" كما أرى فى ثلاثية "بورن" عملا جديرا بالمشاهدة لكن لهذا سبب أيضا فكلا المخرجين (تارنتينو و جرينجراس) يمتلكان حساً بصرياً عالياً قادراً على تحفيز الخيال حتى وان لم يستطع اثراء الفكر٠ تحياتى أستاذ محمد و فى انتظار بقية الدراسة٠
جواب:
كما في القاهرة وبيروت ودبي كذلك في لندن وباريس وبومباي وهوليوود وسواها. العدد الغالب من مرتادي السينما هم الذين لا يقرأوون الكتب. لا بوشكين ولا جبران ولا درويش او محفوظ او حتى همنغواي. لكن من يقرأ يميّز فعلاً ويناقض وينتقد. لكن القلّة النسبية لهؤلاء تجعل من المستحيل على أصحاب التنميط التخلي عنه٠
..................................................................
لينكات مفيدة | محمد العسكري

Signs- Part 1 الفيلم القصير http://www.youtube.com/watch?v=rPi8aJcUT_g

Gold Rush: www.youtube.com/watch?v=xz1TM9y8vN8

Okuribito الفيلم الياباني الحائز على الأوسكار هذا العام http://myegy.com/english-movies/t6045/Okuribito-2008.html

Blow-Up: http://www.btmon.com/Video/Movies/Blow-Up_Michelangelo_Antonioni_1966.torrent.html

Masculin Feminine : http://www.mininova.org/tor/1443326




دراسات | مفهوم البطل في السينما -
١
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هو البطل ولماذا هو بطل دون سواه؟
ومن هو الشرير ولماذا هو شرير؟ الإجابات
على هذه الاسئلة كامن في جوانب متعددة
لموضوع شاسع الطروحات. إجابات تتغيّر
عبر الزمن كما تتكرر وفي كل مرّة هناك الكثير
مما يمكن أن يُقال. هنا بعضاً منه | محمّد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أول ما يتراءى لنا حين يظهر بطل فيلم ما هو أن نعتبره بطلاً. يظهر عادل إمام في »السفارة في العمارة« بروس ويليس في »داي هارد« كلينت ايستوود في »غورين تورينو« او جينا رولاندز في »غلوريا«، في اللقطة الأولى في الفيلم فتدرك، تبعاً لمعلوماتك او نظراً لأن هذا ما تتوقّعه، أنه البطل. وحتى إذا ما ظهر بعد عشر دقائق او أكثر قليلاً او أقل، فإنك تنتظره. لن يُلهيك أي شخص آخر. المناسبة الوحيدة التي لن تدر فيها من هو هذا المرء عليها أن تتألّف من عدّة معطيات: أن لا تكون شاهدت له أي فيلم سابق، ان لا تكون قرأت عنه أي شيء. أن يكون أسمه لا يعني لك شيئاً وأن لا يكون الفيلم معروفاً لديك على أي حال٠
إذاً تدرك أنه البطل حتى من قبل أن يقدم على أي فعل بطولي، وحتى من قبل أن يجسّد هذه البطولة تبعاً لأي مفهوم نظري، درامي او تاريخي. تتقبّله على هذا الأساس بثقة. هذا ما يمكن وصفه بعادة التلقّي المأسورة بالنظرة التقليدية. نحن نحدد ثم نرى، وذلك في مواجهة عملية أكثر عقلانية تطلب منك أن ترى أوّلاً ثم تحدد. ألفرد هيتشكوك لعب على المتوقّع حين قتل »بطلته« بعد نحو 22 دقيقة من بداية فيلمه »سايكو« لكن أفلاماً قليلة جداً هي التي تجرؤ على مناهضة توقّعاتك والعمل ضد محفوظاتك التقليددية٠
هذا الأمر ليس سيئاً في كل الجوانب. إذا ما دخلت فيلم سوبرمان فأنت لا تريد مشاهدة سوبرمان في دور صغير بينما تقوم شخصية أخرى بالأدوار الأولى. هذا منطقي كذلك منطقي أن ينزعج بعضنا حين يدخل فيلماً فيجد أن البطولة موزّعة على خمسة »أبطال« او على خمسة او سبعة شخصيات. لذلك أفلام روبرت ألتمان، الذي كثيراً ما عمل في هذا الإتجاه موفّراً مجموعة من الممثلين في أدوار متوازية الحجم والأهمية فيما يعرف بـ
ensemble casting
تذهب الى فئة من المشاهدين هي مستعدة لمشاهدة شخصيات وليس بطولات. مواضيع وطروحات وليس أحداثاً قصصية، بينما الغالبية تفضّل دائماً مشاهدة الفيلم الذي يبدأ وينتهي بالبطل والبطولة ويقسّم الباقين الى مع البطل او ضدّه. والخطير هو أنه تجاوباً مع ذلك البطل، فإن من معه هو معنا (او نحن معه) ومن ضدّه فهو ضدّنا نحن (او نحن ضدّه)٠
السيء في ذلك يتبدّى سريعاً حين تكون المسألة عبارة عن مواجهة بين البطل وشخصية نكتشف سريعاً إنها معادية. سآتي بخمسة نماذج نتدارسها في هذه المسألة تعكس جوانب مختلفة من هذه المسألة٠

1
في فيلم ديڤيد وورك غريفيث »مولد أمّة« (1915) وخلال سجال الحرب الأهلية الأميركية، يتقدّم عدد من المحاربين السود الذين كانوا -في الواقع- قاتلوا لجانب القوّات الشمالية (الفدرالية) من البيت الذي تملكه العائلة البيضاء لاقتحامه٠ لقطات غريفيث التي كانت أسست المكان سابقاً، تنصرف لتأسيس الأخيار والأشرار مستخدمة التبعية الجاهزة في المنظور التقليدي: المحتمون داخل البيت هم نساء بيض. المقتحمون هو رجال سود٠ الخطر المتمثّل غير خفي. اغتصاب النساء وارد لكن ليس فقط إغتصاب من قِبل جنود بيض جانحين لديهم فرصة لممارسة جنسية عنيفة على النساء البيض، بل إغتصاب يصبح أسوأ حالاً وأكثر شرّاً لمجرد أن لون المغتصِب أسود البشرة. في وقت لم يكن مسموحاً للسود حتى النظر الى إمرأة بيضاء فإن الماثل هو ليس التحذير من فعل غير أخلاقي فقط، بل تحذير من وصمة عار لا يمكن محوها: الذكورة السوداء ستلج عفّة بيضاء. الى الإنقاذ ينبري رجال بيض بثياب بيضاء عليها رسم الصليب٠
Sequence بذلك، حدد غريفيث وبفصل واحد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠